Sunday, August 1, 2021

ليس على الأعمي حرج !

آية "ليس عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ " في سورة النور  تعتبر ركن أصيل في أي هجوم على بلاغة القرآن والتشكيك في كونه كلام من رب العالمين. ساعد على ذلك  التفسيرات التي لم تعطي أي ردود مقنعة ولم تستطع بيان بلاغة هذه الآية وتعبيراتها  أو الرد على هذه الانتقادات بأسلوب علمي. ( أدعو القارئ للبحث عن هذه الآية وقراءة التفاسير حولها  وقراءة النقد الموجه إليها لفهم أبعاد المشكلة ومن ثم يدرك ما تم بحثه وتحليله في هذا المقال. 

 سوف أنقل ما قاله أحد أولئك الذين يشككون في بلاغة الآية وبالتالي في بلاغة القرآن من الأساس دون تدخل مني  لنفهم أبعاد المشكلة ثم أقوم بالرد وشرح الآية  لندرك أين القصور: 

" يقول القرآن: «ليس عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون»

، وهذا الكلام لا بلاغة فيه لأنه لا فائدة من ذكره، فكل أحد له أن يأكل في بيته وفي بيت أقاربه لأن هذا حلال، ثم ما ربط هذا بالأعمى والأعرج والمريض؟! لماذا تخصيص هؤلاء فقط بالذكر دون غيرهم كالمرأة أو الطفل مثلا؟! ولماذا تكرار كلمة ”الحرج“ بعد ذكر كل واحدٍ منهم؟! ولماذا هذه الإطالة في تعداد الأقارب؟! قل منذ البداية (بيوت أقاربكم) أو (بيوت أرحامكم) واختصر الموضوع! ثم لماذا تشمل بيت «مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ» في الأكل؟ هذا خطأ فليس كل شخص يترك مفاتيح بيته عندك لك أن تذهب فتدخل منزله وتأكل منه ما تشاء؟! وأيضا لا داعي لذكر «جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا» لأنه لا إثم في أن يأكل الناس في جماعة أو يأكل كل منهم على حدة، ثم إذا أنا سلّمت على أحد فالله ما دخالته بالسلام حتى يقول «تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً»؟ وأخيرا كيف إذا لم يتبيّن لنا هذا الكلام فإننا سنكون مخبولين - حسب المعنى - ولعلنا نعقل أو لا نعقل؟ إن لم تتبيّن لنا هذه الآيات التي تتحدث عن الأكل فإننا لا نعقل؟ هذا تهافت بلاغي!" 

تعالوا نتعرف كيف يمكن أن نفهم هذه الآية في ظل  المنهج الذي نستخدمه في سلسلة كتب تلك الأسباب.

 الآية الكريمة في سورة النور هي آية من ضمن مجموعة آيات كثيرة تتحدث عن التعامل الراقي الذي أرشد إليه ربنا  مثل الاستئذان والاحتشام وغض البصر وكيفية التعامل ومخاطبة الرسول.  هذه الآية تتحدث عن الحرج بشكل أساسي أو بمعنى دقيق رفع الحرج. لكي نفهم  هذه الآية يلزمنا تحليل ثلاث كلمات رئيسية من كلمات هذه الآية وهي لفظ الحرج، ولفظ الأكل ولفظ جناح.  فهم مدلول لفظ الأكل تحديدا هو مفتاح الدخول لهذه الآية الكريمة لذا يحتاج لمزيد من التركيز. 

" لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"(سورة النور: آية 61). 

 أولًا: مدلول  لفظ الحرج 

الحرج في اللغة هو تجمع الشيء وضيقه، فجاء لفظ الحرج في سورة الأنعام  بمعنى الضيق "فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ"(سورة الأنعام : آية 125). 

من هنا نستطيع القول أن الحرج  هو الضيق الشديد الذي يمنع الإنسان من فعل معين .

المفهوم المعاصر المقابل للفظ الحرج هو لفظ الإحراج الذي نستخدمه بشكل يومي. 

تكرار لفظ الحرج هو إشارة إلى الموضوع الذي سوف تناقشه الآية الكريمة وكأن  الآية جاءت لرفع الإحراج . 

ثانيًا: مدلول لفظ تأكل 

أول ما يتبادر إلى الذهن بمجرد سماع لفظ يأكل هو الطعام والمائدة وهو الصورة الأشهر للفظ يأكل. لفظ يأكل أصله في اللغة هو التنقص ولو أضفنا لهذا الأصل سياق الآيات القرآنية التي جاء فيها لفظ الأكل مثل أكل المال أو أكل الربا لأدركنا أن لفظ أكل  يشير إلى حالة أخذ شئ بغرض استخدامه أو استهلاكه. سواء هذا الشئ طعام أو مال أو أي غرض كان.

"وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ"(سورة البقرة : آية 188).

الآية التالية توضح المعنى العام للأكل والذي ليس له  علاقة بالطعام وإنما بأخذ الشئ لغرض استهلاكه. 

" وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا"(سورة النساء : آية 4). بالطبع أكل الصداق ليس مضغه وإنما أخذه والانتفاع به. 

لفظ الأكل في الآية هو لفظ عام يشمل كل ما يمكن أن يستخدمه الأعمى والأعرج والمريض سواء كان طعام أو مال أو ملبس أو أي أدوات مساعدة ( مدلول لكل ما هو مادي من وسائل المساعدة).

الأكل لفظ عام بينما ذكر القرآن لفظ أكثر خصوصية يتحدث عن الطعام تحديدا وهو الإطعام كما جاء في سورة المائدة

 "لا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَٰنَ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيْمَٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"(سورة المائدة : آية 89). 

ثالثًا: مدلول لفظ جناح

أصل كلمة جنح هو الميل ولو أضفنا إلى هذا الأصل سياق الآيات الذي ورد فيه لفظ جنح ومشتقاته سوف ندرك وظيفة  الجناح ومن هنا سوف ندرك المقصود بالجناح في الآية . جناح الطائر هو الجزء المستخدم في وضع الطائر  في وضع الطيران ويستخدم أيضا في تصحيح طيران الطائر عن طريق الميل في اتجاهات مختلفة. إذن  الجناح هو الآلة التي يستخدمها الطائر لتصحيح مساره أو وضعه في المسار الصحيح وهو الطيران بالنسبة للطائر في هذه الحالة. من هنا الجناح في الآية الكريمة يبدو أنه الآلية التي يستخدمها الإنسان لتصحيح وضع ما أو العودة للمسار الصحيح الذي يجب عليه اتباعه. فعندما يقول ربنا للإنسان ليس عليك جناح تعني ليس عليك تصحيح الوضع وغالبا ما يأتي هذا التعبير مع الأفعال المرهقة التي تستلزم جهدا زائدا مثل  الآية في سورة  البقرة.

"(فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (سورة البقرة  : آية 233 )

إنه  تعبير عظيم يرفع عن الإنسان الإحساس بالذنب أو التقصير و يعفيه من المسؤولية في صورة من صور الرحمة الربانية. 

أقرب مفهوم يومي نستخدمه  للتعبير القرآني "ليس عليكم جناح" هو "ليس عليكم لوم"  غير أن لفظ جناح لفظ حقيقي صفاته وخصائصه متوافقة تماما مع الحالة الموصوفة. 

بعد أن وضعنا تصور معقول لثلاث كلمات رئيسية في الآية وهي الحرج ، الأكل ،الجناح سوف نحاول فهم  فهم التعبيرات القرآنية في الآية الكريمة ر. 

الآية بصفة عامة تتحدث عن رفع الحرج عن بعض الفئات إذا احتاجوا  للأكل أو احتاجوا لما يقيم معيشتهم وليس فقط طعام .

ترتيب هذه الفئات يشير إلى التدرج من الفئة الأكثر تضرراً إلى الفئة الأقل تضرراً وهي فئة أنفسكم والتي سوف نأتي عليها بعد قليل.  هذا التدرج الواضح والتكرار يشير إلى أن الأمر ملح ولكنه مدعاة للإحراج. 

الآية تتحدث عن فئات عفيفة حتى وإن أصابها الفقر لن تطلب شيئ من أحد وسوف تقع في حرج شديد. الآية جاءت لرفع الحرج عن هذه الفئات العفيفة عندما يحدث نقص المؤونة أو متطلبات المعيشة بشكل عام للأسباب الظاهرة في الآية. 

جاء لفظ الحرج مع الأعمى تأكيدا على هذه الحالة ثم جاء مع الأعرج وهما الفئتين الأكثر تضررا وفي حاجة للدعم والمساعدة. ثم جاء التأكيد على المريض إذا أقعده مرضه عن توفير متطلبات المعيشة أو في حاجة للمساعدة . لم يأتي لفظ حرج مع الفئة الأخيرة وهي أنفسكم لأنها الفئة الأقل تضررا   فئة أنفسكم هي فئة الغير قادرين على الكسب أو في احتياج للمساعدة  لظروف غير الظروف التي ذكرتها الآية. قد تكون ظروف خارجة عن إرادتهم مثل البطالة. ما دفعنا للقول أن فئة انفسكم تقصد المتضررين وليس لفظ عام كما يعتقد البعض بسبب وجودها في نفس الترتيب مع الفئات المتضررة لذلك لابد وأنها مشتركة معها في الحالة العامة الموصوفة. 

لو أن الآية جاءت بلفظ ليس عليكم حرج  ولم تذكر هذا التدرج وهذا التقسيم لم نكن لنفهم المقصود من الآية وأصبحت مدعاة لاتخاذها مبررًا لكل ما لا يحق ولا يجوز.

 هذا التكرار أفادنا في فهم هذه الحالات وتدرجها وعلاقاتها ببعضها البعض وعلاقتها بالأكل. 


كيف نفهم التوجيه الإلهي الذي يرشد هذه الفئات إلى أن تأكل من بيوتها  إذا عاقها عائق عن الكسب وتوفير متطلبات المعيشة؟ يتساءل أحدهم كيف هذا؟ فالأمر الطبيعي أن يأكل الإنسان من بيته! 

 البيت هنا هو الكيان الذي يضم هذا الشخص مع  آخرين لأن الفئات المذكورة لديها ما يمنعها من التكسب الطبيعي. لذلك عندما يقول ربنا بيوتكم فهذا يعنى أن الزوج والزوجة والأطفال مشمولين بهذا البيت لأنه لم يأتي ذكرهم في باقي الآية وإنما جاء لفظ الأباء والأمهات و درجات القرابة الأخرى التي سوف نتناولها في المقال. 

 معنى ذلك أن يكون أحد أطراف البيت غير قادر على التكسب أو حدث له مانع ويتحرج مثلا من أن يعيش اعتمادًا على الطرف الأخر لأن الوضع مثلا غير اعتيادي عليه فهنا جاءت الآية لرفع هذا الحرج تمامًا. 

أضرب مثال على هذه الحالة حتى نفهمها جيدًا.

 

رب أسرة يعمل ثم حدث له حادث مثل العمي أو العرج (معوق عن الحركة) أو فقد عمله ولديه زوجة أو أبناء يعملون أو لديهم مصدر دخل منفصل. الآية تقول صراحة ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم . أي لا داعي لأن يقع أحد أفراد الأسرة في الحرج إذا حدث له مانع  وجعله يعتمد على الآخرين في نفس بيته.  لفظ بيوتكم  يلغي الحرج تماما بل إن الرسالة التي يمكن استشفافها من هذا التعبير هي أنه لا وجود للحرج من الأساس لأنه بالمفهوم الدارج " البيت بيتك".  

من خلال هذا التعبير فقط نستطيع كم هائل من المعلومات وطبيعية المعاملة التي يجب أن تكون بين الزوج والزوجة مثلا. الزوج والزوجة شركاء بالفعل في كل شئ في كل ما يحققانه سويا وليس للزوج أو الزوجة زيادة فضل بل يجب التعامل على هذا الأساس ولا وجود للحرج في هذه الحالة تحديدا  لأن الآية لم تذكره كما في حالة الاعمى والأعرج. 

الزوج الذي يجعل زوجته تشعر بالمن من إنفاقه أو الزوجة التي تفعل نفس الشئ لو افترضنا عدم قدرة الزوج هي حالة غير سوية لأن الوضع الطبيعي الذي أشارت إليه الآية هو لفظ بيوتكم الذي يشمل الزوج والزوجة والأبناء ككيان واحد بدون وجود الحرج بينهم.  

بعد أن رفعت الآية الحرج عن أنفسنا عندما نكون أسرة في أن نأكل من بيوتنا،  بمعنى تلاشى الفرق بين أفراد الأسرة الواحدة وهو إرشاد رباني أراه موجه بصفة رئيسية إلى الزوج والزوجة تحديدًا  للتعامل ككيان  واحد، ذكرت الآية الفئة الثانية التي لا حرج أن نأكل من بيوتهم وهي بيوت الأباء وبيوت الامهات. 

 التعبير التالي في الآية الكريمة جاء ليؤكد  رفع الحرج عن الأبناء الذي تعسرت بهم الظروف، فلهم أن يلجأوا إلى بيوت آبائهم أو بيوت أمهاتهم. الآية تقول للأبن أو الأبنة الذي استقل بحياته أو أصبح له مصدر دخل منفصل ثم حدث له مانع من التكسب، أن يستفيد بقدر حاجته من بيت الأب أو بيت الأم دون حرج. 

 لاحظ هنا لفظ الأكل لا يعني الأخذ بدون حساب ولكن بحسب الحاجة لغرض الاستخدام والاستهلاك وليس لغرض الكنز أو أي شيء خارج المألوف.  تعدد لفظ بيوت مع الأباء والأمهات لأن هذه الحالة لا تصف أكل الطعام كما يظن البعض وليست مرة عابرة بل هي مثال لمن يأخذ من أبيه وأمه لكى ينفق على معيشته.

تكرار لفظ بيوت مع الأباء والأمهات جاء لأنه بالفعل هناك حالات فيها بيوت أباء وحالات فيها بيوت أمهات حيث كلا منهما منفصل عن الآخر، أو حتى أحدهما متوفى أو أن لكل واحد منهما ذمة مالية منفصلة. هذه الحالات هي حالات موجودة وطبيعية لذلك رفعت الآية الحرج عن الأبناء في استخدام هذه المصادر في معيشتهم ولا داعي لكي يشعروا بالحرج من ذلك. مرة أخرى الآية تتحدث عن حالات الحرج أما من لا يتحرج فالآية لا تخصه ولا تنطبق عليه. 

انتقلت الآية بعد ذلك إلى بيوت الأعمام والعمات ثم بيوت الأخوال والخالات. التكرار هنا  لها أغراض متعددة وهامة وأولها  تحديد هذه الفئات والتأكيد عليها بسبب حساسية الموضوع الذي تتناوله الآية الكريمة.

لا يدخل في هذه الفئات مثلا أبناء العمومة وأبناء الأخوال لأن  دخول هؤلاء قد يسبب حرج حقيقي ولكن الأعمام والعمات والأخوال والخالات فئات لا حرج منها في المجتمعات السليمة. 

ثانيًا التكرار بمثابة رسالة طمأنة للمتضررين أن لديه مصادر عديدة ومتنوعة يمكن إن تقف بجانبه تطييبا لنفسه وخاطرة ولا حرج عليه في أن يطلب منهم.   

انتقلت الآية بعد ذلك إلى فئة أخرى وهي ما ملكتم مفاتحه. لا يظن أحد أن هذه الفئة هي نفسها بيوتكم أو بيوت آبائكم مثلا لأن تعبير "ما ملكتم مفاتحه" تشير إلى امتلاك جزئي وليس امتلاك كلي .  بعض التفاسير قالت أن المقصود هنا الخزائن التي يملكون مفاتيحها، لكن أرى أن هذا التعبير يشير إلى كل ما يمكنكم الدخول إليه أو مسموح لكم الإستفادة منه مثل جمعيات أو مؤسسات. الآية تزيل الحرج عن هذه الفئات العفيفية في الاستفادة من هذه الهيئات والمؤسسات مثل الجمعيات الخيرية أو أية  إدارات حكومية تؤدي هذا الدور، لأنه هناك بالفعل من هذه الفئات من يتحرج من الاستفادة من هذه المصادر. 

 المصدر الأخير الذي أشارت إليه الآية كمصدر يمكن أن تلجأ إليه هذه الفئات هو صديقكم . لفظ صديق لفظ دقيق للغاية لأنه مشتق من الصدق والصدق هنا في هذا الموقف مرتبط بالعطاء والمساعدة دون أي احتمال لصدور ما يتسبب في حرج لهذه الفئات.  الذي يستطيع تحديد فئة صديقكم هو فقط الواقع عليه الحرج،  لأنه هو الأدرى بمن حوله ومن سوف يصدقه الفعل والقول ومأمون الجانب في أن لا يسبب له أى نوع من الحرج. 

 لم تذكر الآية لفظ صاحب لأن لفظ الصاحب لا يشترط فيه الصدق وإنما هو وصف الملازمة  والمرافقة بينما لفظ صديق هو اللفظ المناسب والقوي للتعبير عن الشخص الذي يمكن أن يطلب منه المساعدة دون حرج.  

هذا الترتيب الذي جاء في الآية هو ترتيب الأولية لا شك في ذلك فالأولى هو بيوتكم كما ذكرنا وبينا، ثم بيوت الآباء والأمهات وهكذا حسب ما جاء في الآية الكريمة. سوف نلاحظ  أن ما ملكتم مفاتحه جاء قبل بيوت صديقكم  وهذا الترتيب متعلق تماما بتخفيف الحرج عن هذه الفئات وليس ترتيب حسب قدرات هذه الفئات. 

بعد أن سردت لنا الآية الكريمة الفئات التي يمكن للشخص فاقد أو قليل الكسب اللجوء إليها دون حرج أرشدتنا إلى أنه ليس عليكم  جناح في أن تأكلوا منها جميعا أو أشتاتا، بمعنى ليس عليك عناء تصحيح هذا الوضع أو ليس عليك لوم في الجمع بينهم  وإنما يمكنك الاستفادة منها حسب رؤيتك وكأن الترتيب هنا نصح وليس إلزام. الآية الكريمة تذهب إلى الحدود العليا في تطيب النفس ورفع الحرج حيث كل كلمة وكل تعبير يحمل هذا المعنى في صورة من أروع صور التوجيه الإلهي. 

عبير  جميعا أو أشتاتا ليس تعبيرا  زائدا كما ظن أهل الظنون بل هو تعبير متكامل مع غرض الآية وهو رفع الحرج وكأنها ترفع الحرج عن فاقد الكسب في الإلتزام ببيت واحد أو بترتيب معين حسب الحاجة. الآية تركز بشكل كبير على  إكرام هذه الفئة واعطائها حرية كبيرة لانها بالفعل فئة عفيفة بحسب سياق الآية.  

نأتي على الجزئية  الأخيرة في هذه الآية والتي أثارت سخرية البعض وهي "فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً " 

يقول هؤلاء  المشككين كيف إذا دخلنا بيوتًا أن نسلم على أنفسنا فالمفترض أن نسلم على غيرنا ؟


 الآية الكريمة لا تتحدث عن السلام الذي نفهمه مثل قول السلام عليكم  فهذا المعنى معنى فرعي ولكن المعنى  العام للسلام بشكل عام هو بث الطمأنينة في النفوس فإذا سلمنا على غيرنا فهذا يعني أن نؤدي أي تصرف أو قول يبث الطمأنينة في نفوس الذين نسلم عليهم. إذا جاء التعبير سلموا على أنفسكم تعني اطمئنوا واقبلوا هذا الأمر بنفس راضية ولا داعى للحرج المسبب للقلق. سلموا على انفسكم تعني حرفيا اطمئنوا اهدئوا ولتسكن نفوسكم الجريحة بهذا التوجيه الإلهي.   

هذه الجزئية متكاملة بشكل يثبت بلاغة كلام الله مع موضوع الآية كلها، حيث التأكيد على السلام النفسي لمن فقد الكسب واضطر لأن يأكل أو يسد حاجته الأساسية بشكل قد يظن أنه  يسبب له إحراج.

لقد جاء التعبير الرباني في أروع صوره وأبلغها على الإطلاق إذ منح هذه الفئة سلامًا نفسيًا وطمأنينة عندما قال تحية من عند الله طيبة مباركة.

التحية كما تم شرحها عندما تحدثنا عن قول الله تعالى "وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا " (سورة المجادلة : آية 86).


  هي التحفيز والدعم النفسي لمستقبل التحية. فكأن الله يقول أن التوجيه والإرشاد الرباني هو بالأساس هدية من الله لكم، غرضها دعمك  وتطيب خاطرك و سلامك النفسي فاقبلوها بطيب خاطر.  

سورة الكهف واللغز المحير

قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى ما زال يعتريها كثير من الغموض وعليها كثير من علامات الاستفهام. رغم أني تناولت هذه القصة في أحد كتبي واقترب...