قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى ما زال يعتريها كثير من الغموض وعليها كثير من علامات الاستفهام. رغم أني تناولت هذه القصة في أحد كتبي واقتربت من فهمها، إلا أن مع فهم مدلول لفظ الكهف أصبح الطريق ممهدا لفك شفرة هذه القصة العجيبة.
في البداية لابد أن نعي ما المقصود بالكهف؟ هل الكهف مجرد تجويف في جبل مثلا؟
لدينا في القرآن لفظان عبرا عن هذا التجويف أو هذه الفجوة ؛ وهما لفظ "الغار" كما جاء في سورة التوبة، ولفظ "الكهف" الذي ذُكِر في سورة الكهف.
(إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَاۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ)(سورة التوبة : آية 40).
لفظ الغار أصله غور، وهو الغياب، ويُطلق هذا المصطلح على التجويف الغائر داخل الجبل أو غرفة لها مدخل واحد. أما لفظ الكهف فلم تخبرنا المعاجم عن مدلوله سوى أنه أكبر وأوسع من الغار أو المغارة.
الحقيقة هي أن وجود اسم سورة كاملة باسم "الكهف" يثير الانتباه ويجعلنا نفكر في علاقة محتملة بين اسم السورة والأحداث التي ملأت هذه السورة. وبالنظر إلى حروف الكلمة ذاتها، وتحديدًا حرف الفاء الذي يدل على الاندفاع في اتجاه معين، يجعلنا نتساءل عما إذا كان للكهف خصائص أخرى تميزه عن الغار.
يبدو أن لفظ الكهف بالفعل يصف تجويفًا ما، ولكن بتفصيلة زائدة، وهي أن هذا التجويف له مدخل ومخرج. يؤيد هذه الفرضية ما ورد في الآية رقم 17 من سورة الكهف، حيث جاء فيها قول الله:
(وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَ ٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡیَمِینِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِی فَجۡوَةࣲ مِّنۡهُۚ ذَ ٰلِكَ مِنۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِۗ مَن یَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن یُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِیࣰّا مُّرۡشِدࣰا)(سورة الكهف : آية 17)
عندما تطلع الشمس، تسطع أشعتها على المدخل الخاص بالكهف وهو التزاور ( الولوج مع عدم الإقامة) ناحية اليمين، ثم عندما تغرب فكأنها تقرضهم أي تنسحب من جهة الشمال، هذين الاتجاهين المرتبطين بالشمس يخبرانا بأن الكهف له مدخلين، أحدهما يواجه الشمس عند طلوعها (ساعة الشروق) والآخر يواجه الشمس عند غروبها (ساعة الغروب).
كذلك التعبير القرآني "وهم في فجوة منه" يدعم فكرة أنهم في حالة بينية بين موضع شروق الشمس وموضع غروبها، أي أنهم في فجوة أو مكان بين النقطتين (نقطة الشروق ونقطة الغروب).
من هنا يمكننا القول أن الكهف هو تجويف ذو مدخل ومخرج والذي يمكن أن نسميه بلغتنا المعاصرة نفق أو أنبوب يصل بين نقطتين منفصلتين، وهذا المعنى هو محور السورة كما سنرى.
لو دققنا النظر لأدركنا أن القصص المذكور في السورة يتحدث عن ما يسمى الانتقال أو الاتصال بين نقطتين سواء على مستوى المكان أو الزمان. الكهف أو هذا النفق أو الأنبوب هو الإشارة القوية على هذا الانتقال والاتصال.
أصحاب الكهف، وهي القصة الرئيسية في السورة، عندما دخلوا الكهف، انتقلوا من زمن إلى زمن دون أن يؤثر ذلك عليهم شخصيًا. كل شيء تغير إلا هم، أو بمعنى دقيق، توقف الزمن بالنسبة لهم فقط ولم يتوقف في الخارج. يبدو لي إن هذه القصة جاءت لتخبرنا عن خصائص الكهف وصفاته والتي سوف تساعدنا بعد ذلك في فهم مجموعة من الانتقالات أو الوصلات بين نقاط مختلفة على مستوى الجغرافيا أو مستوى الزمان في قصة العبد الصالح ونبي الله موسى.
قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى، جسدت فكرة الكهف أو كما قلنا النفق أو الأنبوب الذي يُوصل بين نقطتين كالتالي:
القصة الأولى: خرق السفينة بسبب الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا،
السؤال هنا كيف عرف العبد الصالح رغم بعد المسافة الجغرافية ؟
إنه نوع من الاتصال الذي أتاح له الاطلاع على ما يحدث في بقعة جغرافية أخرى. وكأن العبد الصالح استخدم مفهوم الكهف أو النفق ليرصد حدث غاب عنه وينقله إلى نقطة بعيدة تماما عنه. كيف حدث ذلك ؟ ا
ليس لدي إجابة على هذا السؤال ولكن الشاهد في القصة أن الأمر حدث وهذا ما يعنينا.
الاتصال ببقعة جغرافية اليوم أصبح متاحا وفي متناول اليد باستخدام أجهزة الاستقبال والارسال بكافة أنواعها، بل العجيب أن الإنسان يسمى وسائل نقل هذه المعرفة بالقنوات مما يجعلنا في حيرة من أمرنا من تلك القوة الكامنة في نفس الإنسان والتي يستطيع من خلالها تسمية الأشياء بدقة كبيرة.
القصة الثانية: قصة الجدار، وهنا نرى أيضا أن العبد الصالح أصبح بينه وبين الماضي اتصال من نوع ما فعلم من خلال قناة الاتصال هذه أن أبوي اليتيمين كانا صالحين، فأراد بذلك إصلاح الجدار لهما وحماية لهم من غدر المجتمع اللئيم. ربما الاتصال بين الحاضر وبين الماضي تحقق بنسبة ما من خلال دراسة الحفريات والآثار ولكن لاشك أننا في بدايات هذه المرحلة.
لا أحد على الإطلاق يستطيع الجزم بمعرفة الماضي على وجه الدقة حتى هذه اللحظة ولكن يبدو أن ذلك ممكنا بالعلم وسوف يتحقق يوما ما عند اكتشاف قنوات الاتصال بين الحاضر والماضي. إنه الانتقال على مستوى الزمان بخلاف القصة الأولى التي كنات اتصال على مستوى المكان. لقد بدأت القصة بالسهل وهو الاتصال المكاني ثم ازدادت صعوبة في القصة الثانية والتي تجلى فيها الاتصال بين الحاضر والماضي، وسوف تزداد صعوبة مع القصة الثالثة التي ذكرت اتصال بين الحاضر والمستقبل.
القصة الثالثة: وهي قصة الغلام وهي القصة الأخطر على الإطلاق وهي قناة الاتصال بين الحاضر المستقبل . استطاع العبد الصالح رؤية ما يحدث في المستقبل وتدخل لتغييره. هذا النوع من الاتصال تحقق بقدر ضئيل للغاية مثل التنبؤات المصاحبة الطقس وحركة الكواكب وبعض الظاهر المعتمدة على الحسابات.
أنا لست معنيا هنا بتفسير واز أو عدم جواز ما فعل العبد الصالح من قتله للغلام. الأمر أعمق من ذلك بكثير فهو مرتبط بإشارة قرآنية على استطاعة الإنسان يوما أن يبني قناة اتصال بين المستقبل وبين حاضرة ، يستطيع من خلالها تقييم المواقف المختلفة واتخاذ قراراته بشكل صحيح. اتصال حقيقي و سليم مائة بالمائة وليس مجرد تخمينات.
الملفت للنظر أن كل ذلك تم تحت مسمى العلم وقد قال الله ( فَوَجَدَا عَبۡدࣰا مِّنۡ عِبَادِنَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُ رَحۡمَةࣰ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمࣰا)(سورة الكهف: آية 65).
العلم هو الذي مكن العبد الصالح من التعامل مع هذه القنوات وأنواع الاتصال المختلفة والعلم ذاته هو ما سوف يمكن الإنسان الحديث من هذا الاتصال.
بغض النظر عن استيعاب البعض لهذ القصص أو عدم استيعابهم لها، فإن المعرفة المختزنة في تلك الآيات والتعبيرات القرآنية أعقد بكثير مما نحمله اليوم من معارف ولكن يبدو واضحا أن القرآن يخبرنا عن أن اتصال بين نقطتين على مستوى المكان أو الزمن سوف يحدث و تحقيقه واقع وليس مستحيلا.
لقد تحقق اليوم ونرى بأعيننا كيف يتم الاتصال المكاني ومدى الدقة التي تنتقل بها المعلومات صوتا وصورة ؛ ونحن الآن بانتظار أن يتحقق الاتصال الزماني سواء بالماضي أو المستقبل بالدقة و اليقين الذي لا يخالطه شك.