Monday, July 31, 2023

سورة الكهف واللغز المحير


قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى ما زال يعتريها كثير من الغموض وعليها كثير من علامات الاستفهام. رغم أني تناولت هذه القصة في أحد كتبي واقتربت من فهمها، إلا أن مع فهم مدلول لفظ الكهف أصبح الطريق ممهدا لفك شفرة هذه القصة العجيبة.


في البداية لابد أن نعي ما المقصود بالكهف؟ هل الكهف مجرد تجويف في جبل مثلا؟


لدينا في القرآن لفظان عبرا عن هذا التجويف أو هذه الفجوة ؛ وهما لفظ "الغار" كما جاء في سورة التوبة، ولفظ "الكهف" الذي ذُكِر في سورة الكهف.


(إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَاۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ)(سورة التوبة : آية 40).


لفظ الغار أصله غور، وهو الغياب، ويُطلق هذا المصطلح على التجويف الغائر داخل الجبل أو غرفة لها مدخل واحد. أما لفظ الكهف فلم تخبرنا المعاجم عن مدلوله سوى أنه أكبر وأوسع من الغار أو المغارة.


الحقيقة هي أن وجود اسم سورة كاملة باسم "الكهف" يثير الانتباه ويجعلنا نفكر في علاقة محتملة بين اسم السورة والأحداث التي ملأت هذه السورة. وبالنظر إلى حروف الكلمة ذاتها، وتحديدًا حرف الفاء الذي يدل على الاندفاع في اتجاه معين، يجعلنا نتساءل عما إذا كان للكهف خصائص أخرى تميزه عن الغار.


يبدو أن لفظ الكهف بالفعل يصف تجويفًا ما، ولكن بتفصيلة زائدة، وهي أن هذا التجويف له مدخل ومخرج. يؤيد هذه الفرضية ما ورد في الآية رقم 17 من سورة الكهف، حيث جاء فيها قول الله:


(وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَ ٰ⁠وَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡیَمِینِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِی فَجۡوَةࣲ مِّنۡهُۚ ذَ ٰ⁠لِكَ مِنۡ ءَایَـٰتِ ٱللَّهِۗ مَن یَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن یُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِیࣰّا مُّرۡشِدࣰا)(سورة الكهف : آية 17)


عندما تطلع الشمس، تسطع أشعتها على المدخل الخاص بالكهف وهو التزاور ( الولوج مع عدم الإقامة) ناحية اليمين، ثم عندما تغرب فكأنها تقرضهم أي تنسحب من جهة الشمال، هذين الاتجاهين المرتبطين بالشمس يخبرانا بأن الكهف له مدخلين، أحدهما يواجه الشمس عند طلوعها (ساعة الشروق) والآخر يواجه الشمس عند غروبها (ساعة الغروب).


كذلك التعبير القرآني "وهم في فجوة منه" يدعم فكرة أنهم في حالة بينية بين موضع شروق الشمس وموضع غروبها، أي أنهم في فجوة أو مكان بين النقطتين (نقطة الشروق ونقطة الغروب).


من هنا يمكننا القول أن الكهف هو تجويف ذو مدخل ومخرج والذي يمكن أن نسميه بلغتنا المعاصرة نفق أو أنبوب يصل بين نقطتين منفصلتين، وهذا المعنى هو محور السورة كما سنرى.


لو دققنا النظر لأدركنا أن القصص المذكور في السورة يتحدث عن ما يسمى الانتقال أو الاتصال بين نقطتين سواء على مستوى المكان أو الزمان. الكهف أو هذا النفق أو الأنبوب هو الإشارة القوية على هذا الانتقال والاتصال.


أصحاب الكهف، وهي القصة الرئيسية في السورة، عندما دخلوا الكهف، انتقلوا من زمن إلى زمن دون أن يؤثر ذلك عليهم شخصيًا. كل شيء تغير إلا هم، أو بمعنى دقيق، توقف الزمن بالنسبة لهم فقط ولم يتوقف في الخارج. يبدو لي إن هذه القصة جاءت لتخبرنا عن خصائص الكهف وصفاته والتي سوف تساعدنا بعد ذلك في فهم مجموعة من الانتقالات أو الوصلات بين نقاط مختلفة على مستوى الجغرافيا أو مستوى الزمان في قصة العبد الصالح ونبي الله موسى.


قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى، جسدت فكرة الكهف أو كما قلنا النفق أو الأنبوب الذي يُوصل بين نقطتين كالتالي:


القصة الأولى: خرق السفينة بسبب الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا،

السؤال هنا كيف عرف العبد الصالح رغم بعد المسافة الجغرافية ؟

إنه نوع من الاتصال الذي أتاح له الاطلاع على ما يحدث في بقعة جغرافية أخرى. وكأن العبد الصالح استخدم مفهوم الكهف أو النفق ليرصد حدث غاب عنه وينقله إلى نقطة بعيدة تماما عنه. كيف حدث ذلك ؟ ا

ليس لدي إجابة على هذا السؤال ولكن الشاهد في القصة أن الأمر حدث وهذا ما يعنينا.


الاتصال ببقعة جغرافية اليوم أصبح متاحا وفي متناول اليد باستخدام أجهزة الاستقبال والارسال بكافة أنواعها، بل العجيب أن الإنسان يسمى وسائل نقل هذه المعرفة بالقنوات مما يجعلنا في حيرة من أمرنا من تلك القوة الكامنة في نفس الإنسان والتي يستطيع من خلالها تسمية الأشياء بدقة كبيرة.


القصة الثانية: قصة الجدار، وهنا نرى أيضا أن العبد الصالح أصبح بينه وبين الماضي اتصال من نوع ما فعلم من خلال قناة الاتصال هذه أن أبوي اليتيمين كانا صالحين، فأراد بذلك إصلاح الجدار لهما وحماية لهم من غدر المجتمع اللئيم. ربما الاتصال بين الحاضر وبين الماضي تحقق بنسبة ما من خلال دراسة الحفريات والآثار ولكن لاشك أننا في بدايات هذه المرحلة.


لا أحد على الإطلاق يستطيع الجزم بمعرفة الماضي على وجه الدقة حتى هذه اللحظة ولكن يبدو أن ذلك ممكنا بالعلم وسوف يتحقق يوما ما عند اكتشاف قنوات الاتصال بين الحاضر والماضي. إنه الانتقال على مستوى الزمان بخلاف القصة الأولى التي كنات اتصال على مستوى المكان. لقد بدأت القصة بالسهل وهو الاتصال المكاني ثم ازدادت صعوبة في القصة الثانية والتي تجلى فيها الاتصال بين الحاضر والماضي، وسوف تزداد صعوبة مع القصة الثالثة التي ذكرت اتصال بين الحاضر والمستقبل.


القصة الثالثة: وهي قصة الغلام وهي القصة الأخطر على الإطلاق وهي قناة الاتصال بين الحاضر المستقبل . استطاع العبد الصالح رؤية ما يحدث في المستقبل وتدخل لتغييره. هذا النوع من الاتصال تحقق بقدر ضئيل للغاية مثل التنبؤات المصاحبة الطقس وحركة الكواكب وبعض الظاهر المعتمدة على الحسابات.


أنا لست معنيا هنا بتفسير واز أو عدم جواز ما فعل العبد الصالح من قتله للغلام. الأمر أعمق من ذلك بكثير فهو مرتبط بإشارة قرآنية على استطاعة الإنسان يوما أن يبني قناة اتصال بين المستقبل وبين حاضرة ، يستطيع من خلالها تقييم المواقف المختلفة واتخاذ قراراته بشكل صحيح. اتصال حقيقي و سليم مائة بالمائة وليس مجرد تخمينات.


الملفت للنظر أن كل ذلك تم تحت مسمى العلم وقد قال الله ( فَوَجَدَا عَبۡدࣰا مِّنۡ عِبَادِنَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُ رَحۡمَةࣰ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمࣰا)(سورة الكهف: آية 65).


العلم هو الذي مكن العبد الصالح من التعامل مع هذه القنوات وأنواع الاتصال المختلفة والعلم ذاته هو ما سوف يمكن الإنسان الحديث من هذا الاتصال.


بغض النظر عن استيعاب البعض لهذ القصص أو عدم استيعابهم لها، فإن المعرفة المختزنة في تلك الآيات والتعبيرات القرآنية أعقد بكثير مما نحمله اليوم من معارف ولكن يبدو واضحا أن القرآن يخبرنا عن أن اتصال بين نقطتين على مستوى المكان أو الزمن سوف يحدث و تحقيقه واقع وليس مستحيلا.


لقد تحقق اليوم ونرى بأعيننا كيف يتم الاتصال المكاني ومدى الدقة التي تنتقل بها المعلومات صوتا وصورة ؛ ونحن الآن بانتظار أن يتحقق الاتصال الزماني سواء بالماضي أو المستقبل بالدقة و اليقين الذي لا يخالطه شك.


Thursday, July 6, 2023

ابن تيمية من العلوم الطبيعية

   

لازلت اتذكر ذلك اليوم وأنا ما زلت معيد بقسم الكيمياء عندما سألتني طالبة عن مدى جدوى دراسة الكيمياء، وقبل أن أجيب بادرتني بالقول اللهم أعوذ بك من علم لا ينفع! 

فسألتها ، اتقصدين الكيمياء بالعلم الذي لا ينفع ؟ فقالت نعم !

لماذا  ؟ قالت أنها تدرس أحد العلوم الشرعية وأن الشخص الذي يقوم بالتدريس قال لهم أن الكيمياء علم الشيطان وأنه علم باطل!!!! 

هذا الرآي المتطرف لم يخترعه هذا المسكين بل هو ناقل ما قاله ابن تيمية!
أغلب المعارضين لأبن تيمية لا يعرفون عنه سوى تلك المسائل التي أفتى فيها بلفظ يستتاب أو يقتل والتي تتجاوز 400 مسألة.  فتاوى الدم هذه ليست هي موضوعنا اليوم رغم عظمها ولكن وجه آخر للرجل وموقف نستطيع تحليله بكل وضوح هو ما لفت انتباهنا.  موقف الرجل من العلوم الطبيعية، وكيف كان ينظر إلى هذه العلوم.

كان يرى ابن تيميَّة  في مسألة تعلم الخط والكتابة، أنَّ اكتساب الفضائل بالاستغناء عن القراءة والكتابة أكملُ وأوفق الحال النبيِّ الأمِّي (رائد السمهوري،  نقْد الخِطاب السَّلفي (ابن تيميَّة نموذجًا)النــاشــر: دار مدارك للنشر). علم الرياضيات والفلك بحسب فتاويه كثيرُ التَّعب قليلُ الفائدة. الكيماويِّين يضاهئون خَلْق الله، وأنَّ الكيمياء لا تصحُّ في العقل ولا تجوز في الشرع. 

ملخص ما جاء في فتاوى الرجل فيما يخص الكيمياء  مجموع الفتاوى الجزء 29 من صفحة 368 وحتى صفحة 388 ). 

موقف الرجل من الكيمياء أنها حرام ومن اعظم الغش بل قال أن الكيمياء أشد تحريمًا من الربا. يكشف لنا قول ابن تيمية، لحظة السقوط المدوي ومفارقة العقل لهذه الأمة والذي ما زلنا نعاني منه حتى الآن.

 عندما تطالع كتابات الرجل تشعر انك امام شخص يملك ذاكرة قوية للغاية  ولكن في نفس اللحظة تبدو معالجته للمسائل حادة بشكل واضح، يعوزه الدليل المنطقي فيلجأ إلى عبارة له وقع السحر على العامة وهي ( وهذا ما تعارف عليه العقلاء والسلف وأهل السنة والجماعة). 

الرجل ينقل أخبارا في كل علم وكل فن بشكل غزير جدا فإذا جاء يعالج هذه الأخبار جاءت المعالجة متواضعة للغاية. لعل هذا هو السبب الرئيسي لافتتان العامة أصحاب الثقافة السماعية وأرباب النقل فوق العقل به، بسبب الكم الهائل من المعلومات التي ينقلها الرجل، ولكن وفي نفس الوقت يعارضه أصحاب العقل بسبب استدلالاته  الضعيفة، وعدم تقديمه لحلول منطقية بديلة. 

واحدة من تلك المسائل المعقدة والتي تمت معالجتها بسطحية شديدة وكان له وقع مدمر على نظرة الناس للعلوم الطبيعية هي مسألة تحريم الكيمياء، و موقفه بصفة عامة من العلوم الطبيعية.    

في موضوع الكيمياء رغم أن الرجل مولود في القرن السابع الهجري وكان قد سبقه في دراسة الكيمياء علماء أفاضل إلا أننا نلاحظ إن الرجل شحيح المعرفة بخصوص  هذا العلم واثق بشكل مثير فيما  يقوله يستحضر كم من الأحاديث والآيات والروايات عن  الغش والسحر وتبديل خلق الله بشكل كثيف ثم يستدل فجاءة على تحريم هذا العلم ووصف أهله بأهل الباطل.  

بالطبع حاول اتباع الرجل تبرير موقفه من العلوم الطبيعية وتحديدا الكيمياء بأن المقصود ليس بالطبع الكيمياء المعروفة الحديثة متهمين من ينتقد موقف ابن تيمية بالجهل والضلال و" العلمانية". 

قالوا فيما يخص الكيمياء إن المقصود بالتحريم هو السحر وتحويل المعادن إلى ذهب وغش الناس وليس علم الكيمياء المعروف اليوم الذي يبحث دراسة وتفاصيل المواد! 

تبريرات هؤلاء المساكين  تقوم على تصورات ذهنية طفولية  عن علم الكيمياء و أهدافه لا يفرقون بين العلم والاحتيال ولا يعرفون تاريخ تطور هذا العلم ولا متى حدث التحول من الأساطير إلى التجريب.  

لو تتبعت كل العلوم سنجد أنها بدأت فلسفات ممزوجة بالأساطير ثم شيئا فشيئا تتبلور الأفكار وتنضج وهذا ما حدث مع علم الكيمياء والذي نضج  على يد عالم مسلم في القرن الثاني الهجري هو جابر بن حيان قبل مولد ابن تيمية بخمسة قرون كما سوف نرى بعد قليل. 

اتباع ابن تيمية يبررون للرجل تحريمه بأنه كان يقصد الكيمياء القديمة التي تقوم على السحر والغش . لو صح تبرير هؤلاء فيصبح الرجل سطحي لأقصى درجة لأنه لم يطلع على ما فعله جابر ابن حيان وأبو بكر الرازي وتأثيرهم في علم الكيمياء وهو ما نفاه ابن تيمية نفسه  عندما  غمز ابن حيان في معرض كلامه عن الكيمياء. 

تبرير هؤلاء القوم يمكن أن ينطلي على البسطاء ولكن بفحص الإدعاء نجد أن اتباع الرجل يقومون بعملية تزوير وتدليس ولو أنهم قرأوا قليلا عن هذا العلم وعن ترجمة جابر ابن حيان  الذي سبق عصر ابن تيمية بخمسة قرون لما تجرأوا على ذلك أبدا. 

التبرير ساقط من طريقين:

 أولًا: الرجل نفسه يقول أن السبب الرئيسي لتحريمه الكيمياء هو أنها تضاهي خلق الله. فعندما يقول اتباعه أن المقصود بذلك هي الكيمياء القديمة وليس الكيمياء الحديثة  فهؤلاء لا يعرفون شيئا على الإطلاق. أحد أهم أهداف الكيمياء الحديثة هو صناعة مركبات تشبه بالفعل المركبات الطبيعية. السبب في ذلك أن الطبيعة لا تكفي لسد حاجة الإنسان  فتحاول الكيمياء تصنيع مركبات شبيه تماما بالمركبات الطبيعية لسد هذا العجز. 

حجة ابن تيمية الرئيسية في تحريم الكيمياء  وهي صنع اشياء شبيهة بخلق الله ما تزال قائمة بل أكثر بكثير من عصر ابن تيمية وأصغر كيميائي يعرف هذه البديهية.  هل عندما يعرف أتباع الرجل هذه المعلومة سيظلون على موقفهم من تبرير موقف ابن تيمية من تحريمة الكيمياء القديمة أم أنهم سوف يقولون هم أيضا بتحريم الكيمياء الحديثة؟ 

ثانيا : ابن تيمية مولود عام 661 هجرية أي في القرن السابع الهجري بينما جابر ابن حيان الملقب با ابو الكيمياء مولود عام 101 هجرية وفي بعض الروايات 117 هجرية،على  اقصى تقدير  ابن حيان  مولود في القرن الثاني الهجري. 

جابر ابن حيان هذا صاحب أول منهج تجريبي في الكيمياء ومن بعده أبو بكر الرازي في القرن الثالث الهجري وعندما قام الرجلين بدراسة تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب استطاعا التخلص من الأساطير حول هذا الأمر وقام ابن حيان بتأصيل منهج تجريبي معتبر. نتيجة هذا المنهج التجريبي العظيم استطاع ابن حيان تطوير مجموعة العمليات الكيميائية البسيطة مثل التقطير والترشيح والتبلور والملغمة والتسامي. هذه العمليات كانت نقلة نوعية لا مثيل لها في علم الكيمياء. هذا التطور العظيم كان في بداية القرن الثاني الهجري فكيف يأتي ابن تيمية في القرن السابع الهجري ويزعم هو وأصحابه أن الكيمياء فن السحر وفن الغش. معلومات ابن تيمية عن الكيمياء وقتها معلومات سطحية للغاية وكان يمكن أن نلتمس له العذر لو لم يسبقه جابر ابن حيان أو لم يصلنا خبر عن ابن حيان.  

ابن حيان واضع المنهج التجريبي يقول عنه ابن تيمية، مجهول لا يُعرف له ذكر بين أهل العلم و بين أهل الدين. أبن حبان أحد الذين يشار إليهم بالبنان في التاريخ الإسلامي ينكره ابن تيمية ويقول عنه مجهول. 

بعض اعمال جابر بن حيان صاحب أول منهج تجريبي في الكيمياء  في القرن الثاني الهجري هي: 

1- استطاع فصل الذهب عن الفضة باستخدام الأحماض 

2-اكتشف حمض النيتريك، حمض الهيدروكلوريك،وحمض الكبريتيك وسماه زيت الزاج

3- أول من حضر ماء الذهب

4- استطاع تطوير عملية تقطير من خلال اختراع جهاز تقطير متقدم. 

في معرض الدفاع عن ابن تيمية يقول أحدهم " تذكر أن المسح على الخف (في الوضوء) هو اختيار ابن تيمية! 

هنيئا لأمة مسحت عقلها ولم يبقي لها إلا مسح الخف لتفتخر به. 

#تلك_الأسباب

 

 


هل الله يستحي؟

ما إن تكتب على جوجل " إن الله يستحي" حتى يظهر لك قائمة بمقولات وروايات ما أنزل الله بها من سلطان. دعاة اتباعهم بالملايين  ووعاظ يحملون شهادات بالإجازة يقولون على الله ما لم يقوله عن نفسه دون أن يرف لهم جفن. 

سنكتشف بعد قليل ، أن عبارة  "الله يستحي" لا تصح ولا تجوز على الله من خلال فهم  الفرق بين لفظ الاستحياء الذي ورد في القرآن ولفظ الحياء الذي يستخدمه الناس ولم يرد في القرآن. كلا اللفظين معناهما عند الناس الخجل ولكن عند استخدام منهج محدد في فهم اللفظ القرآني وجدنا  للقرآن رأي أخر.

ملاحظة: ( تحليل اللفظ القرآني جاء بنتائج مخالفة تماما لمعاجم  اللغة نفسها). 

 لفظ الحياء هو نفس جذر  كلمة الحياة  بنص قواميس اللغة وهي ثلاثة حروف ( الحاء  والياء والحرف المعتل). من خلال تتبع جذر الكلمة ومشتقاتها في كتاب الله سنجد أن الجذر (حي) يصف حالة من الطاقة أو القوة المحركة  أو المدد اللازم لعمل شيء ما. 

الحياة نفسها تعني  تلك القوة غير المرئية التي تحرك  الأشياء، أو تبعث فيها القدرة على عمل الأشياء. عندما نقول أن الله يحيي فهذا معناه، أن الله  يمد بالطاقة أو القوة التي تجعل الشئ حي أي متحرك وقادر على الفعل. 

لفظ الحياء بمعنى الخجل  لم يرد  في كتاب الله  ولا مرة واحدة لأنه ببساطة لفظ غير صحيح أو غير حقيقي، فهو لفظ لا يعبر عن الخجل وإنما يعبر عن حالة من الحركة و الاندفاع بحسب ورود مشتقات هذا الجذر في كتاب الله. 

عندما نقول أن لفظ الحياء لا يصف الخجل من خلال تحليل الألفاظ في كتاب الله فإننا نقول أن ألفاظ كتاب الله حقيقية، وأنها تتبع منهج منضبط ودقيق بينما من يصر على إن لفظ الحياء يصف الخجل يقول أن اللغة اعتباطية وقد لايدرك ذلك غالبًا بسبب  عدم فهمه نظريات نشأة اللغة ( راجع نظريات نشأة اللغة الجزء الثاني). 

حالة الخجل نفسها، هي حالة تقهقر وتردد وانتكاص،  عبر عنها ربنا  في القرآن باستخدام لفظ "الاستحياء "  وليس الحياء.  الفرق بين اللفظين مختلف تمامًا، وإن كان لفظ استحياء أصله حياء بزيادة ألف وسين وتاء في بداية الكلمة.  إضافة "ألف وسين وتاء " إلى الفعل الأصلي  قلبت المعنى للنقيض، حيث دخول الألف والسين والتاء على الفعل  إفادة الطلب. 

 مثال لفظ غفر وهو يعني ستر ما هو ظاهر، فإذا دخلت الألف والسين والتاء على فعل غفر يصبح استغفر وهو يغني طلب المغفرة أو طلب ستر ما يظهر. لا يمكن لعاقل أن يقول أن لفظ غفر يساوي لفظ استغفر، فلفظ غفر يصف فعل من هو قوي وقادر على الستر ( الغفران) بينما لفظ استغفر يصف فعل من هو ضعيف و لا يقدر  على الستر بنفسه، ولذلك هو يطلب ويرجو ستر ما فعل!. 

تعالوا نطبق هذه القاعدة على لفظ حياء واللفظ المشتق منه استحياء ! 

لفظ استحياء من خلال فهم جذر الكلمة ومن خلال فهم عمل زيادة ( الألف والسين والتاء ) يعني طلب القوة أو المدد أو العون، الذي يُمكن الشخص من فعل شئ لا يملك القوة الكافية على فعله.  أما  لفظ الحياء بدون الألف والسين والتاء فهو  مقارب للفظ الحياة وعلى ذلك يصف  حالة من القوة والمدد والعون التي تؤهل لعمل شئ ما.   

من هنا يصبح مفهوم  شخص لديه حياء، يعني شخص لديه  قوة واندفاع لفعل ما يرغب  وليس معناه الخجل!  ( هذا ما كنا دوما نشدد عليه من أن القرآن جاء ليصحح اللغة ويردها إلى أصلها، والتي لا يرغب الفقهاء أو أهل اللغة فهمه).   

لفظ استحياء هو لفظ حقيقي جاء في القرآن يصف حالة الخجل التي تنتاب الإنسان والتي يكون فيها الإنسان في حاجة لقوة ما أو مدد أو عون تُمكنه من فعل الشئ الذي  يخجل منه. 

هذه الحالة واضحة تمامًا في كل الآيات التي جاء فيها لفظ استحياء في كتاب الله، والمثال الأشهر هو مثال المرآة التي جاءت إلى نبي الله موسى، تبلغه رسالة أبيها بعد أن سقى لهما؛ حيث يخبرنا القرآن أنها جاءت تمشي على استحياء. 

"فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "(سورة القصص: آية 25). 

 حالة المرآة مع نبي الله موسى هي حالة المتردد، غير القادر على فعل ما جاء من أجله ، و يطلب معين أو قوة تُمكنه من أداء ما يريد أن يقوم به وهي حالة الخجل المعروفة. 

عندما استخدم ربنا هذا الفعل في وصف أحد أفعاله  جل وعلا  قال إن الله لا يستحي وهذا معناه أن الله لا يطلب قوة ولا طاقة ولا معين ولا تحفيز في فعل شيء ما. وهذا يليق بجلال الله وقدره إذ يفعل ما يشاء ولا يحتاج إلى دعم أو قوة خارجية. 

" إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ"(سورة البقرة : آية 26). 

 رغم أن القرآن كثيف في لفت انتباه الناس لهذه الفروق الدقيقة  بين الكلمات ويحث الناس على اتخاذه مرجعا مؤسسًا لكل علم،   إلا أن الجموع على مر التاريخ لا  تعترف بذلك أو أنها لا تدرك ذلك من الأساس.  لن يفهم ويعترف بهذا النسق العجيب  إلا أجيال تربت على حرية التفكير وعدم التحيز، وإنه يوم لو تعلمون قريب. 

 مثال الحياء والاستحياء مثال من مئات الأمثلة التي تم بحثها والتي تثبت أن الألفاظ القرآنية ألفاظ حقيقية وأن فهم الناس لها فهم قاصر بشكل كبير لأنه يقوم على نظرية خاطئة استمدت قوتها من إجماع الناس عليها رغم مخالفتها دلالات  واضحة في كتاب الله.

سيقول البعض ولكن لفظ الحياء لفظ عربي وكل المعاجم ذكرت هذا الوصف فكيف  تقول أن الوصف غير صحيح ؟ هل أنت أكثر علمًا من فطاحل اللغة وجهابذة العصور على مر التاريخ؟

للأسف الشديد وللمرة المائة جهابذة اللغة وعلماء كل العصور اعتمدوا في فهم اللفظ القرآني على إن اللغة من إنتاج البشر فكان لابد أن تكون النتائج كما هي عليه الآن.  لكن كتاب الله يشير بالأدلة إلى أن اللغة هبة إلهية وأن لها قانونها الخاص واعني بذلك ألفاظ القرآن خاصة أما أي ألفاظ خارج القرآن فهي خليط من الحقيقي وغير الحقيقي. 

لا شك أن كل إنسان ساهم في طمس الحقيقة سواء بعلم أو بدون علم وكل إنسان غفل عن ذلك تهاونًا أو استخفافًا، وآثر الحياة الدنيا وأخلد إلى الأرض، موقوف ومسئول عن ذلك  أمام رب العالمين.

نسوق الدليل خلف الدليل والحجة تتبعها الحجة ومع ذلك رضي كثير ممن أفاء الله عليهم بنعمة العقل الانسلاخ من هذه الأدلة والركون إلى معرفة تراكمية خاطئة. سوف يأتي أمر الله رغم أنف هذا الغثاء  وسوف يقيض الله لكلماته من يعرف قيمتها ويبقي المتعلقين بحبائل الماضي، الواثقين في عقول أسلافهم أكثر من وثوقهم في عقولهم أنفسهم و المرتابون،   يموج بعضهم في بعض إلى وقت اليوم المعلوم. 

هل يجب على كل إنسان أن يكون مفكر وباحث لكي يصل إلى الحقيقة؟

 

ليس منطقيًا على الإطلاق أن يصير الإنسان مفكر وباحث بشكل عميق، ولكن بالمقابل ليس مقبولًا أن يستسلم الإنسان للكسل المعرفي في أمر الدين بحجة وجود متخصصين.

حجة المتخصصين في الدين حجة كهنوتية بامتياز، أفرزت طبقة من البشر تتحدث في أمور وتتصدى لمسائل شديدة الخطورة بمعدل ذكاء منخفض للغاية. رغم دعوة القرآن الصريحة للناس بصفة عامة للتدبر والتفكر إلا أن مجموعة كبيرة من رجال الكهنوت لا يعجبهم ذلك ويرغبون في إبقاء الناس رهن معارفهم الأقرب إلى الأساطير والأبعد عن العقل. هذا ليس معناه أن تحدث فوضى معرفية وتصبح النصوص مباحة لكل صاحب خيال خصب دون أي معرفة بطرق ومناهج البحث.

التعليم الديني بشكل نظامي والذي أسسه نظام الملك عام 459 هجرية أصبح كارثة على هذا الدين عندما أصبح بابًا خلفيًا للحصول على المناصب في الدولة ، إذ أعطى الفرصة لاستخدام الدين بشكل أناني من قبل مجموعة من الأفاقين والانتهازيين. ازداد الطين بلة في العصر الحديث، عندما أصبح التعليم الديني، بابًا خلفيًا لكل ضعيف الإمكانيات، إلا من رحم ربي، في الحصول على شهادة جامعية.
هذا النظام أفرز كم هائل من الغثاء المعرفي ومنح حق الحديث بشكل حصري في الدين لشخصيات لا تصلح للحديث حتى عن طبق اليوم.

لكي يمارس الإنسان الطب والهندسة لابد ان يكون متخصص، فما بالكم بالدين؟
مغالطة منطقية فجة، فنحن نمارس الدين بالفعل، وبالرغم من ذلك، فالدين ليس كعلم الهندسة أو الطب أو أي علم تجريبي.

العلوم الطبيعية جميعها تقوم على تجارب وأدلة يمكن قياسها واستنتاجات منطقية ولا يوجد فيها اختلافات سوى في تفاصيل لا يمكن ملاحظتها. هل ذهب أحد إلى مهندس يومًا يصمم له منزلا فأعطاه رسمًا هندسيًا لمزرعة حيوانات؛ أو ذهب احدهم إلى طبيب يشتكي ألم في المعدة فاخبره أن من يحتاج العلاج جاره أو زميله في العمل. لن تجد محاسب في شركة يحاول إقناعك أن حاصل ضرب 5 في 10 يساوي 20 إلا إذا كان يريد سرقتك.

خطأ المهندس أو الطبيب يمكن اكتشافه، بل و يمكن تفاديه بقليل من المعرفة والمراجعة، ولو حدثت خسارة فلا شك أنها سوف تكون محددة. باختصار العلوم الطبيعية علوم ليس لها علاقة بالسلطة.

على العكس من ذلك تمامًا، فالدين حتى يومنا هذا لا يقوم على نتائج يمكن قياسها، وأغلبه خاضع لظروف السلطة وكلما تغيرت الظروف غير رجال الدين أرديتهم. فوق كل ذلك فإن خطأ رجل الدين يمكن أن يكلف الإنسان مصيره، خصوصًا إذا استسلم الإنسان ولم يرغب في المعرفة.

ما الذي يجعلنا أمنح ثقتي لشخص لا يملك الحد الأدنى من المنطق والعقل بحجة أنه متخصص. ما هذه القوة الخفية التي تجعلني اعلق مصيري بشخص كل مواهبه نسخ ونقل ما في الكتب ولا يستطيع نقد كلمة.
راجع الكامل - ابن الأثير ، وتاريخ الامم والممالك للطبري، لتعرف أننا نعيش في وهم لا مثيل له وأننا رسمنا صور مثالية لعصور هي ليست كذلك بالمرة بل وسلمنا مصيرنا للمجهول، ونساهم بشكل لا مثيل له في نشر الجهل والخرافة والقداسة على أشياء ليس لها أي قيمة.

من نعمة الله على الإنسان، أن الله يحاسب على السعي الصادق للوصول للحقيقة بغض النظر عن النتائج؛ وأن كتاب الله وكلماته دائما ما توافق المفاهيم العقلية ومنطق الإنسان الصادق.

ليس منطقيا أن يترك الإنسان علمه وشأنه لكي يبحث كل صغيرة وكبيرة في أمر دينه ، لكن بالمقابل الإنسان ملزم بالحد الأدنى من المعرفة والتي تؤهله لكي يفرق بين الصواب وبين الخطأ وبين الدليل وبين الحيل.

الإقبال على المعرفة بصدق، هي الحد الأدنى الذي يجب توافره لدى الإنسان لكي يقدم لله العذر، أما الإعراض عن المعرفة فهي أهم حيل الشيطان لكي يحول بين المرء وبين ربه. كل إنسان لديه جرس إنذار ونظام معرفي قادر على أن يقوده إلى الحق ولكن بعض المساكين يعطلون هذا النظام ويسلمون عقولهم للأخرين؛ إما تكاسلًا أو بسبب انعدام ثقتهم في قدراتهم.

إننا نرى الأمثلة كل يوم تكاد تعلن عن نفسها، حرص الإنسان على السؤال وعلى المعرفة بل والإلحاح في الفهم ما هو إلا ترجمة لتلك الرغبة في النفوس الذكية للوصول للحقيقة. على العكس من ذلك تجد كثير من الناس تطرق المعرفة بابه، وفي متناول يديه، فيشتكي من الإزعاج .

السعي المخلص للمعرفة هو ما دفع سلمان الفارسي وصهيب الرومي وعبدالله بن سلام لكي يقبلوا الرسالة؛ بينما الاستخفاف والكبر والغرور هو ما دفع عبد العزة ( أبو لهب ) للكفر.

سلامة القصد هو ما دفع ياسر بن عامر والد عمار بن ياسر لبذل نفسه في سبيل الله وهو الضعيف، أما الحسابات الأخرى هي من دفعت العباس إلى خوض معركة بدر ضد المسلمين ، والانتظار حتى يوم الفتح لكي يدخل الإسلام وهو عم النبي.

صدق اللهجة هو ما دفع أبو ذر الغفاري لكي يمشي وحده إلى رسول الله، يسعى خلف الحقيقة، حتى أنه كان رابع أو خامس من دخل في الإسلام، ولم يكن من ساكني مكة بالأساس؛ بينما المكر هو ما دفع أبو سفيان حتى بعد أن أعلن إسلامه أن يصيح بأعلى صوته عندما انكشف المسلمون في غزوة حنين ‏ "لا تنتهي هزيمتهم دون البحر" شامتا في ما حدث للمسلمين.

بالطبع ليس مطلوبا إن نفكر جميعا بنفس الكيفية ولكن يلزمنا لقبول الحق صدق اللقاء وسلامة القصد. كل الذين نكبوا عن الصراط، وتفرقت بهم السبل وتنازعتهم الأهواء ظنوا أنهم الأهدى أو كان لهم حساباتهم الخاصة.
إذا كان الحصول على فكرة جديدة يحتاج إلى ذكاء ومنطق سليم، فإن مجرد قبول هذه الفكرة من قبل أي إنسان يحتاج لنفس القدر من الذكاء والمنطق السليم.


غيلان الدمشقي الثائر في وجه الظلم

  في معرض كلامه عن الاستبداد السياسي أورد عبدالرحمن الكواكبي في كتابه طبائع  الاستبداد ومصارع الاستعباد نصا منسوب لمعاوية بن أبي سفيان " لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر ما تركني وإياه، ولو كره الله ما نحن فيه لغيره، وأنا خازن من خزان الله تعالى، أعطى ما أعطى الله وامنع ما منعه الله، ولو كره الله أمرا لغيره"   .

هذه العبارة المقتبسة تلخص كل شئ وتلخص لماذا لم ينتبه أحد أو لماذا انصرف الناس عن محاولة فهم سبب وجود الإنسان على الأرض وفهم حقيقة العبادة  وتضييع مفاهيم غاية في الروعة زخر بها كتاب الله.  هذه العبارة شكلت حجر الأساس التي قامت عليه السلطة وقتها وهو القول بالجبرية أي أن الإنسان مسير في كل شئ لا يملك من أمره شئ وعليه الامتثال والطاعة والرضا. منذ اللحظات الأولى يسجل لنا التاريخ كيف انرحف القوم عن كتاب الله وكيف تمت مصادرة الفكر ومع ذلك يأتيك اليوم بعد كل هذا من يدافع باستماته عن دين ما أنزل الله به من سلطان.


السلطة تريد الناس أن تبقى رهينة القيد مستسلمين لا فكر يقلق راحتهم ولا أسئلة ربما تقض مضجهم. ليس غريبا ان تحارب السلطة في كل وقت أي فكر حر يقترب منهم ويجعل الناس تفكر في مصائرها ولا تسلم بسهولة لدتاتورية حكامها. أسلوب شيطاني ما كان له ان يستمر ويذهر لولا مجموعة من رجال الدين الافاقين وأشباه العلماء المنافقين.


على النقيض من ذلك قامت حركة فكرية واعدة ترفض الجبرية  التي تجعل من الإنسان كائن مستسلم وتؤيد القول بحرية الإنسان في الاختيار وحرية الأفعال مما يصنع من الإنسان كائن فاعل ومؤثر. 

إنه  المبدأ العام الذي يؤسس لحرية الإنسان وتحمله المسئولية في اختيار أفعاله ولذلك سوف يحاسب على اختياراته وهذا هو عين العدل الإلهي.  إنه المعنى الراقي للحرية وهو لا يمكن  إجبار الإنسان على فعل ما لا يريد، وهو المفهوم الناضج للحرية؛   بينما يرى المتثاقفون أن الحرية تتمثل في أن للإنسان الحق في فعل ما يريد، و هو مفهوم متشنج ومتطرف لا يضع الآخرين في حسابه. 

مسألة أن الإنسان حر الإرادة وله الحق في اختيار أفعاله هو الفكر الراقي والفلسفة العظيمة التي لم يكن لها أن تتوافق مع السلطة التي تريد جعل الناس مستسلمة منقادة ترضي بكل أمر وكأنه أمر واقع من الله لا مفر منه والاعتراض عليه هو اعتراض على حكم الله.  من هنا يمكننا فهم الصراع بين أصحاب العقل وأفكارهم التي سبقت بمئات السنين،  وبين أنصار النقل و المدعومين من السلطة وكيف استعانت بهم السلطة في إخضاع الناس وإرهابهم من التفكير. 

هذا الفكر العفن هو الذي أنتج مفهوم الدولة الدينية وجعل الحاكم متحدث بإسم الله في تعدي واضح على المفاهيم القرآنية، وأصبحت وظيفة رجال الدين وظيفية كهنوتية مهمتها حماية الدين ضد العقل بينما التوجيه القرآني كان ومايزال يدعو الناس لحماية العقل حتى يتمكن من الوصول إلى الدين. 

من أصحاب هذه الأفكار التقدمية  والسابقة معبد الجهني وغيلان الدمشقي الذين تم توجيه الإتهام لهم  بأنهم من أصحاب الفرق الضالة، فقط لأنهم يدعون ضد عقيدة الجبر الإلهي التي تبناها بني أمية لإخضاع الناس بإسم الله. 

أما معبد الجهني فقد ثار على المجرم  الحجاج بن يوسف الثقفي فتم قتله وصلبه على أبواب دمشق في عهد  عبد الملك بن مروان  تحت ذريعة أنه ضال وزنديق . غيلان الدمشقي كذلك قتٌل فيما يشبه المسرحية، استعان فيها هشام بن عبد الملك بالسلطة الدينية لتكفير الرجل ومن ثم استحلال دمه.  

 حاول الحكام أيهام العامة أن مفهوم المشيئة الإلهية هو قضاء محتوم لا يملك الإنسان أمامه إلا التسليم. تبلورت هذه العقيدة في كتب الفقهاء وصارت تشكل جزء كبير من ثقافة الأمة وهي تنص باختصار على "أن كل ما كان، و ما هو كائن، و ما سيكون مستقبلاً، إنما هو أمر الله وقدره, وإرادته التي سطرها في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلق الكون". هذه العقيدة التي تم تمريرها للناس كانت تهدف بشكل أساسي إلى إعفاء الحكام من المسئولية، ودفع الناس لقبول الأمر الواقع من تحويل الأمر بالشورى إلى ملك عضوض يقوم على الغصب.  

 غيلان الدمشقي كان مقاوم وبشدة لعقيدة الجبر التي تبناها بني أمية  وكان يرفض  المبدأ القائل بأن الله خلق الشر . كان بذلك يرفض المنطق الذي ينسب شرور مثل القتل والخراب والدمار والألم إلى الله وكان يقول أن الإنسان هو المسئول عن افعاله وأن الله اعظم من أن يجبرنا على الأفعال ثم يعذبنا عليها.  

لقد توصلنا إلى هذه الفكرة الرائعة في  كتاب تلك الأسباب الجزء الثالث - فصل الفلق من خلال تحليل ألفاظ سورة الفلق  وبشكل علمي وبأدلة كثيفة من القرآن على أن الله سبحانه لم يخلق الشر في الإنسان  وإنما الشر من مقدرات وحتميات الوجود والانسان هو المسئول الأول عن بزوغ الشر.  

كان لغيلان الدمشقي رأي في موضوع الحكم والإمامة وهو رأي خطير لدرجة جعلت الحكام وقتها لا يمكنهم التسامح معه.  

خلافاً للنظرية التي اخترعها بني أمية وأضفوا عليها صبغة شرعية والتي تنص على أن ” الائمة من قريش”  كان لغيلان رأي آخر حيث رأى أن الإمامة تصلح في كل من يجمع شروطها، و كون الشخص من قريش  ليس شرطا لتولى الحكم. 

استعان  هشام بن عبد الملك بفقيه بلاد الشام المشهور آنذاك , الامام الاوزاعي, لكي يناظر غيلان قبل الحكم عليه. ويروي الحافظ ابن عساكر في “تاريخ دمشق  , ج48 تفاصيل مؤلمة عما جرى لغيلان.  

روى الحافظ ابن عساكر: "أن غيلان بن مروان القدري الضال المضل بدأ بنشر عقيدته الفاسدة بين الناس كان في زمن التابعين اعتقد ما لا يجوز اعتقاده وبدأ ينشر عقيدته الفاسدة بين الناس تعدى شره إلى الناس صار يتكلم في القدر صار يقول للناس نحن خلقنا أعمالنا، الله ما خلق أعمالنا الله ما خلق الشر بدأ ينشر هذا الكفر والضلال بين العباد. أما عقيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أن الله خلقنا وخلق أعمالنا التي نعملها باختيار منا أو التي تحصل بغير اختيار منا لا خالق إلا الله والله تعالى خلق الخير وخلق الشر، خلق الشر ولكنه لا يحب الشر، نهى عنه وأمر بالخير، فكان من غيلان أن نشر هذه البدعة الاعتقادية الكفرية بين الناس فعلم بذلك سيدنا الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقال له: يا غيلان ما الذي بلغني عنك، تتكلم في القدر وكان عمر له هيبة بالتقوى فخاف غيلان، فقال غيلان: يُكذب علي يا أمير المؤمنين ويقال عليّ ما لم أقل، فقال له الخليفة عمر بن عبد العزيز:ويلك، والله لو علمت الذي بلغني عنك لضربت عنقك إقرأ من سورة يس، فبدأ غيلان يقرأ، وهذا غيلان يدعي العلم والمشيخة يلبس العمامة ويرخي اللحية ويدور بين الناس يتكلم العربية الفصيحة ويحفظ من كتاب الله ومن حديث رسول الله ولكن الله أضله على علم. قال له عمر: اقرأ من سورة يس، فقرأ الآية الكريمة، (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ). قال عمر: قف من الذي جعل بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا؟ قال غيلان: لا أدري، قال: ويلك، الله الذي جعل بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا يعني أن الله تعالى هو خالق العباد وخالق أعمال العباد لا خالق إلا الله تعالى، فقال غيلان: أعاهد الله أن لا أعود فأتكلم في شيء من هذا أبدًا. فانطلق فلما ولى قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: وهو من أهل الكشف والكرامة، ما اطمأن قلب عمر لكلام غيلان ،فقال عمر "اللهم إن كان أعطاني بلسانه ومحنته في قلبه فأذقه حر السيف"، فما عاد غيلان يتكلم في مسألة القدر في زمن خلافة عمر بن عبد العزيز، بعدما مات عمر بن عبد العزيز بدأ يتكلم غيلان في القدر، أعاد ما كان يخفيه على عمر، فلما وليَ الخلافةَ هشامُ بن عبد الملك، فاستدعاه الخليفة هشام، استدعى غيلان إلى دار الخلافة. قال له: يا عدو الله ألست عاهدت الله لعمر بن عبد العزيز أن لا تتكلم في هذا؟ إقرأ يا عدو الله فاتحة الكتاب فبدأ غيلان بالقراءة: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ؛ قال الخليفة هشام: قف يا عدو الله، علام تستعين الله، على أمر بيدك أم على أمر بيده، من ها هنا انطلقوا به فاضربوا عنقه واصلبوه. فقال غيلان، أبرز لي يا أمير المؤمنين من يناظرني، فإن غلبني فهذه عنقي، فقال الخليفة هشام من لهذا القدري، قالوا الأوزاعي رضي الله عنه، الإمام المجتهد الورع الزاهد العابد أبو عمرو الأوزاعي رضي الله عنه فأرسل إلى الأوزاعي ليأتي من بيروت إلى دمشق، دخل على دار الخلافة، وقال الأوزاعي لغيلان، يا غيلان إن شئت ألقيت عليك ثلاثًا وإن شئت أربعًا وإن شئت واحدًا، أسألك أربعة أسئلة أم ثلاثة أم واحدًا، قال الق علي ثلاثًا، فقال الإمام الأوزاعي رحمه الله يا غيلان أخبرني عن الله قضى على ما نهى، فقال غيلان لا أدري كيف هذا، قال الأوزاعي هذه واحدة يا أمير المؤمنين، قال الأوزاعي يا غيلان أخبرني عن الله أمر بأمر ثم حال دونه، فقال غيلان لا أدري والله هذه أشد من الأولى، قال الأوزاعي هاتان اثنتان يا أمير المؤمنين، قال الأوزاعي يا غيلان، أخبرني عن الله حرم حراما ثم أحله، قال غيلان لا أدري هذه أشد من الأولى ومن الثانية.

قال الأوزاعي "كافر" وربِ الكعبة يا أمير المؤمنين فأمر به الخليفة فقطعت يديه ورجليه ".

ونتابع المشهد الدرامي الذي تذكره كتب التاريخ : فقد حاول أعداؤه أن ينتصروا عليه وهو مصلوب، فقال له أحدهم: “أنظر ماذا فعل بك ربك , يا غيلان هذا قضاء وقدر”  يريدون منه الإقرار بمذهبهم، لكنه رغم آلامه أصرّ على موقفه فقال بأعلى صوته: “كذبتَ لعمرو الله , ما هذا قضاء ولا قدر” واضاف “بل لعن الله من فعل بي ذلك”,,,,  مما دفع بهشام أن يأمر بقطع لسانه ايضاً !. 

الرواية التي أوردها ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق لا تشير لأي فكرة من أفكار غيلان بحيادية  بقدر ما تحاول صب السخط والتكفير على الرجل بحجة انه ضال مضل حتى لا يجد القارئ أي سبيل لفهم ما حدث. 

في كتاب نقد الفقهاء لعلم الكلام بين حراسة العقيدة وحركة التاريخ / احمد سالم ، نجد وجهة نظر أخرى ورواية  مختلفة لعلاقة غيلان بعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. 


يقول أحمد سالم في كتابه " كان غيلان الدمشقي من القدرية الأوائل وكان يثور على ظلم بني أمية، وحين تولى عمر بن عبد العزيز الحكم دعا غيلان الدمشقي وقال له عمر " اعني على ما أنا فيه، فقال غيلان : ولني بيع الخزائن، ورد المظالم فولاه، فكان يبيعها، وينادي عليها ويقول : تعالوا إلى متاع الخونة، تعالوا إلى متاع الظلمة، تعالوا إلى متاع من خلف رسول الله في أمته بغير سنته وسيرته، وكان فيما عليه جوارب خز فبلغ ثمنها ألف درهم، وقد ائتكل بعضها، فقال غيلان من يعذرني ممن يزعم أن هؤلاء كانوا أئمة هدى، وهذا يٌأكل والناس يموتون من الجوع. فمر هشام بن عبد الملك فقال أرى هذا بعيني  ويعيب آبائي، والله إن ظفرت به لأقطعن يديه ورجليه، فلما ولي هشام خرج غيلان وصاحبه صالح إلى أرمينية.، فأرسل هشام في طلبهما فجئ بهما فحبسهما أياما ثم أخرجهما وقطع أيديهما وارجلهما، وقال لغيلان كيف ترى ما صنع ربك بك؟ فالتفت غيلان فقال لعن الله من فعل هذا، ومات صالح وصلى عليه غيلان  ثم أقبل على الناس وقال: قاتلهم الله كم من حق اماتوه، فقيل لهشام قطعت يدي غيلان ورجليه، وأطلقت لسانه، إنه قد أبكى الناس ونبه على ما كانوا عنه غافلين، فأرسل إليه  هشام، من قطع لسانه،  ثم مات بعدها غيلان"       


كتب التاريخ لم تنصف غيلان الدمشقي لأن من كتبها المنتصر ولكن من خلال فهم كتاب الله وفهم خلق الشر استطعنا إن ندرك بعضا من فكر هذا الرجل وكيف أنه كان سابق لعصره بمئات السنين ولكن الأكثرية في عصره  وكذلك الحكام لم يكن يروق لهم هذا الفكر .

هذا النهج في اضطهاد الفكر المخالف وارهابه هو الذي أسس لدين موازى لدين الله يناقض اغلبه كتاب الله، ومازال الناس يدافعون عنه ويستميتون في الدفاع عن هذه الجرائم . جرأة عجيبة من العامة ومن المتثاقفين في تحمل اوزار أقوام عاشوا في بيئات معرفية ضحلة وتحت واقع سياسي ملئ بالفتن . ما الذي يدفع شخص للإنتصار لهذا الظلم وهذا الاضطهاد الذي يعارض تماما كتاب الله سوى الجهل الاختياري. 


الناس لا تعرف من هو غيلان الدمشقي ولكن تعرف تمامًا من هو الأوزاعي العالم الورع الفقيه صاحب الشهرة التي بلغت الأفاق. الناس لا تعرف أن الأوزاعي احتال على الرجل بأسئلة تشبه الألغاز  في مشهد يشبه السيرك لكي يستحل دمه.  هذا الفكر هو الذي أنتج فكر قتل المخالف بحجة الكفر  افتراء على الله. ليس غريبا أن يخرج البعض يغضبون للأوزعي ولا يعنيهم الافتراء على الله . لأنهم ببساطة لا يعرفون الله إلا من خلال الصورة الذهنية التي صدرها لهم الحكام وفقهائهم.

لقد هاجم كبار الصاحبة في ذلك الوقت مثل عبد الله ابن عمر وابو هريرة غيلان وصاحبه معبد الجهني وحرضوا الناس عليهم متعللين بأنهم يتكلمون في القدر.

لقد كان صوت معبد الجهني وغيلان الدمشقي صوتا ثائرا ولكن كيف لهذه الاصوات أن يسمعها الناس وسيف السلطة يلمع في اعينهم وذهب السلطة له رنين يأخذ بالقلوب. إنها قصة الطغيان منذ فجر التاريخ والأدهي ان جحافل البشر على مر العصور يسوق بعضهم بعضا لتصديق الباطل وطمس الحق وحتى الأن تجد من يلعن هؤلاء بأسم القدرية ويترضى على قاتليهم.

لا أدري أهؤلاء يستحقون الشفقة ام الشماتة لأنهم يستميتون في نصر الباطل ويقفون موقف العداء من الحق وهم لا يعلمون. لقد سيطر على عقولهم عدم الإنصاف وأصبح جيلا بعد جيل يتناقلون الاخبار دون بينة ودون لحظة تفكير.


 وددنا لو أن هذا العصر كان يملك قنوات فضائية أو يوتيوب يسجل لنا مواقف هذه العصور  لنرى كيف تم تزوير المفاهيم القرآنية وكيف تم خداع الناس كل هذا الوقت وتقديم دين موازي لا يمت لدين الله بصلة.   

"وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26)"(سورة النحل : آية ).


  


لماذا لم يشرح الرسول الكريم القرآن لأصحابه بالطريقة التي نفهم بها حاليا القرآن ؟

  قد تكون  إجابة هذا السؤال صادمة إلى حد كبير لذا الرجاء القراءة بمزيد من التأني والتريث في فهم المقصود. 

للإجابة على هذا السؤال سوف أطرح سؤالين لإبراز القضية . 

  1. لماذا لم يُنزل الله كتاب واحد على آدم   أو إبراهيم  صلوات ربي عليهما ولماذا تعددت الكتب؟

  2. لماذا لم يتعهد الله بحفظ الكتب الأخرى ( أقصد النص الأصلي) كما حدث مع القرآن؟ 

كلمة السر هي  التطور، والتطور وحده من سوف يفك شفرة هذه الأسئلة الصعبة والذي جاء مفصلا في  (كتاب تلك الأسباب_ الجزء الثالث_ الطور).  

الله سبحانه وتعالى لم يرد للبشرية القفز مرة واحدة على النتيجة النهائية لأنه سوف يكون وجود البشرية بلا معنى ووجود عبثي. ما معنى خلق الخلق ثم اعطائهم طريقة عمل الحياة والتصرفات ؟ وجود الإنسان هو وجود لهدف محدد وليس مجرد لهو أو عبث كما ذكر ذلك ربنا في كتابه، ولكي يكون وجود الإنسان وجود ذو معنى ونهايته تؤول إلى معنى ( وظيفة ومهمة الإنسان في الحياة الأخرى كما بينا ذلك في مقال سابق) فلابد أن يعاني اختبار حقيقي يقيس قدراته وطريقة تعاطية مع كل ما يحيط به دون تدخل يفقد هذا الاختبار الدنيوي معناه. 

التدرج في إرسال الرسل والأنبياء والتطور في انتقال المجتمعات من البسيط إلى المعقد هي الحالة الواقعية والسائدة  والتي لا يمكن إنكارها سواء  تاريخيًا أو قرآنيًا أو علميًا.

 

لذلك فرضية أن رسول الله كان  لديه تأويل القرآن واعتبار هذا التأويل جازم ونهائي؛  يتعارض مع حركة الحياة وسير البشرية منذ نشأتها، ويتعارض مع القرآن نفسه كما سوف نرى بعد قليل. 

 

لفظ القرآن نفسه  يثبت أنه نص يحتاج للتحليل والدراسة المستمرة ولا يمكن أن يكون له تأويل بشري قاطع وجازم.  فهم أصل كلمة قرآن ذاتها تحمل اعظم سمة من سمات هذا الكتاب العظيم. أصل كلمة قرآن هو قرأ ؛  زيادة الألف والنون تفيد الاستمرار ( تلك الأسباب _الجزء الثاني). 

( فرضية أن أصل القرآن هو الجذر  "قرن" فرضية ليست صحيحة والأصح هو الجذر قرأ وقد بينا ذلك بالتفصيل في الجزء الثاني)

 لذلك نجد أن القرآن يعني الشيء القابل للقراءة باستمرار، القراءة ليس معناها التلاوة وإنما تعني التدبر والتحليل والاستنتاج ( لاحظ تعبير يقرأ الأحداث ، أو يقرأ في وجه السعادة).  لو أن الرسول صلوات ربي عليه تأول القرآن  وانتهي منه كوحي من الله لا يمكن تجاوزه،  لما صح أن يسمى قرآن من الأساس لأنه أصبح غير قابل للقراءة بعد قراءة رسول الله. 

 

الأمر الإلهي لرسول الله بخصوص  الكتاب الذي أنزله الله هو التبليغ  ( بلغ )بينما الأمر الإلهي لرسول الله وللناس جميعا بخصوص فهم القرآن وتفسير آياته هو أقرأ وهي أول آية نزلت.  الأمر الإلهي اقرأ ينفي بشكل قاطع أن  يكون محاولة تفسير القرآن من قبل أي بشر هو وحي لا يمكن تجاوزه  وإنما يشير فعل اقرأ إلى أن  تفسير آيات القرآن هو عبارة عن  تفاعل الإنسان مع النص الإلهي. (هناك وحي لا يمكن تجاوزه وهو الخاص بالرسالة وهناك وحي معرفي أو ما نسميه تجاوزا  نحن بالإلهام  وهو وحي قد يحصل عليه  كل باحث عن المعرفة بشرط السعي والإخلاص، وهو وحي غير  ملزم، الفرق بين الوحيين  أشارت إليه سورة النجم  بشكل لا مثيل له وسوف  نأتي عليها في الجزء الرابع إن شاء الله). 

 

لو كان رسول الله تأول القرآن لأصبح أمر القراءة الخاص بالقرآن  للبشرية غير ذي معنى،  وأمر التدبر أمر تحصيل حاصل؛ ولو أن الله أراد أن يأول رسوله القرآن، لماذا لم ينزله مؤولا ولماذا تركه هكذا ؟ 

 

تاريخيًا:   السيدة عائشة أخبرت أن الرسول لم يفسر من القرآن إلا بضع آيات وكثير من الباحثين يرون أن عدد الآيات التي تكلم فيها النبي لا يتعدى 200 آية من مجموع 6000 آية هي آيات القرآن. 

 

الله سبحانه وتعالى يخبرنا في القرآن بحقيقة ذات أهمية قصوى وهي أن تأويل القرآن على حقيقته لا يعلمها إلا الله ولم يستثني منها حتى رسول الله.

 

"هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ"(سورة آل عمران :آية 7). 

 

 حرف الواو الذي سبق لفظ  الراسخون في العلم ليس معناه أن الراسخون في العلم يشاركون الله تأويله وإنما الواو هي للاستئناف كما حكى بعض من أهل التفسير  ذلك. أي أن الكلام تم عند لفظ الجلالة؛ وجملة الراسخون في العلم ليست عطفا على ما قبلها (واو الاستئناف). رغم أن المفسرين يقولون في قول الله تعالى "آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا "تعني المحكم من الآيات والمتشابه كلاهما يؤمن به الراسخون في العلم.  

لنا رأي في هذه الآية الكريمة، حيث تشير الآية إلى خاصية القرآن الأساسية وهي تجدده المستمر وقدرة العقول  العلمية الراسخة على استكشاف معانيه. لذلك عندما يستطيع الراسخون في العلم تأويل بعضه ( بحسب قدراتهم)، يقودهم هذا التأويل إلى الإيمان بما لم يستطيعوا تأويله وهي صفة خاصة بالراسخون في العلم.  بينما الأميون ينطلقون مما لم يستطيعوا فهمه إلى تكذيب ما يمكن فهمه، وهذا وضع مقلوب يقود إلى تكذيب النص الإلهي ( راجع مفهوم الأمي والأميين بالجزء الثالث وكيف أن غياب المنهج العلمي جعل كل إنسان يعتقد أن لديه القدرة على فهم كتاب الله كما يحلو له). 

 

الآية الكريمة لم تشر من قريب أو من بعيد إلى أي وظيفة للرسول في تأويل القرآن وقصرت التأويل على الله وحده، أما الراسخون في العلم،   في محاولات مستمرة  للتدبر وفهم آيات القرآن، ولن تكون مستمرة إن زعم أحدهم أنه امتلك الحقيقة. قد نقترب كثيرا من التأويل ولكن يبقى التأويل الحقيقي يعلمه الله. هذه هي طبيعة القرآن معرفة تراكمية تناسقية  باستمرار كل مجتهد يضيف قدر استطاعته  بشرط وجود منهج علمي للتأويل وهو ما نحاول قوله في سلسلة الكتاب.  عدم وجود منهج علمي سوف يعطي الفرصة لكل حالم إن يقول ما يعن له دون دليل أو أي برهان سوى قدرته على التخيل.  

 

مرة أخرى هل الرسول كان يعلم تأويل القرآن ؟ 

بنص القرآن ذاته لم يكن يعلم تأويل القرآن ( راجع الآية السابقة ) 

من يقولون أن رسول الله كان يعلم تأويل القرآن على الحقيقة، هم يسيئون إلى رسول الله من حيث لا يشعرون  من وجهين:  

الوجه الأول:  جعلوا رسول الله شريك لرب العالمين، وبنص القرآن،  لا يعلم تأويله إلا الله.

الوجه الثاني : لو أن رسول الله يعلم التأويل ولم يبلغه لكان كاتم للعلم الذي نهى الله عنه وننزه رسول الله عن ذلك ( الروايات تقول أنه لم يتكلم إلا في بضع آيات). 

حقيقة أن رسول الله بلغ الرسالة فقط ولم يكن يعلم تأويل القرآن كتأويل حقيقي بحيث لا يمكننا تجاوز هذا التفسير. هذه المعلومة واضحة وضوح الشمس من خلال آيات الذكر الحكيم ومن خلال السرد التاريخي ولكن العاطفة التي تأبي ذلك هي المتحكمة في عقول الناس وتحاول بشتى الطرق تنصيب الرسول شريكا لرب العالمين. 

أعلم أن هذا الكلام في منتهي الصعوبة على البعض ولكن الأشد هو عدم قوله وتمييع  مفاهيم القرآن وطمسها وإضلال البشرية  و إضاعتها  فقط بسبب العواطف التي تحكمنا في التعامل مع كل ما هو ديني. 

 

القرآن لم يدع الفرصة لكل كسول أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم وأقام الحجة على كل أحد ولكن أكثر الناس عن آيات الله غافلون. وأخيرًا لابد أن نعي تمامًا أن الرسول ليس حاكما على البشرية وإنما هو من ضمن حلقات تطور وتدرج هذه البشرية، وواقعا في نطاقها ويجري عليه ما يجري عليها إلا في الرسالة التي حددها الله بنصوص قطعية لا تقبل الشك وهي القرآن الكريم. 

كل كلمة وردت بالمقالة عليها أكثر من دليل من كتاب الله ولكن تجنبا للإطالة اكتفي بهذا القدر ولنا عودة مع السؤال الرابع لماذا لم يتوصل أحد من قبل إلى أن للإنسان مهمة ووظيفة في الحياة الآخرة؟ 


  واترككم مع هذه الآيات الكريمة التي تشرح نفسها


1- "أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ"(سورة العنكبوت : آية 51)

2-"قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ"(سورة الأحقاف  : آية  9 )

3- "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ"(سورة آل عمران : آية 144).

4- "إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ"(سورة الأنعام  :آية  35) 

5- "قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ"(سورة الأعراف : آية 188) 

6-"قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ"(سورة الأنعام : آية 58)


سورة الكهف واللغز المحير

قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى ما زال يعتريها كثير من الغموض وعليها كثير من علامات الاستفهام. رغم أني تناولت هذه القصة في أحد كتبي واقترب...