Thursday, June 29, 2023

المثلية الجنسية وكيف تعامل معها النص القرآني

 شاهدت أكثر من لقاء لبعض "الشيوخ" يتحدثون فيه عن المثلية الجنسية، ولم يشير أي من هؤلاء لمعالجة القرآن الكريم لعملية المثلية الجنسية، ألتمس لهم العذر لأن أغلبهم ينقل من الكتب، ولم يقوموا بأي بحث حقيقي، ولو أن أحدهم نظر في كتاب الله بدلاً من كُتب التاريخ لوجد كتاب الله سهل التدبر وفي متناول يديه.

في السطور التالية سنجد كيف عالج القرآن الكريم مسألة المثلية الجنسية وسوف أحاول الإختصار قدر المستطاع، والموضوع بالكامل موجود بالجزء الأول- كتاب تلك الأسباب- الطبعة الثانية📕
" لقد جاء قوم لوط بفعل لم يكن موجودًا من قبل بنص كتاب الله، وهذا الفعل عندما تفشى فيهم استحقوا العقاب لأنهم كانوا سابقين في هذا الفعل، ولم ينتهوا أو يرتدعوا، بل شرعنوا فعلهم، وأصبح هذا الوضع الشاذ في مجتمعهم بمثابة الوضع الطبيعي،
عندما أصبح الوضع المقلوب هو المسيطر، وأصبحت قلوبهم متوافقة على الإنحراف ، أصبح وجودهم خطرًا على البشرية، وليس منه أدنى فائدة، ويمثل عبئًا على النظام الكوني ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾
(سورة الأعراف:آيات 80 -81).
سنتوقف عند هذه الفاحشة التي كان يفعلها قوم لوط،
وهل هي أمر طبيعي كما يقول بعض المهتمين بدراسة الأمر من الناحية العلمية أم أن المسألة جينية بحتة؟
هناك أبحاث عديدة حول هذا الأمر تقول إن المثلية الجنسية أمر جيني، ولا داعي للخجل منها، وأن العقاب تحت ضغط الدين هو عقاب غير منصف.
لا شك أن القتل كعقاب لهذا السلوك كما يقول بذلك بعض الفقهاء ليس هو المنهج القرآني السليم،
وإنما حث كتاب الله على التعامل مع هذا الأمر بطريقة مختلفة تماما عن الزنا بشكل أقرب للعلاج منه للعقاب.
دعونا نستكشف عقاب المثلية الجنسية من خلال القرآن الكريم، ونرى كيف عالج المنهج القرآني هذا الأمر بعيدًا عن التحيز المعرفي وعبء العقل الجمعي.
الآيات الكريمة التي تتحدث عن هذا الأمر من سورة النساء
﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾(15).
﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (16).
أغلب التفاسير تحدثت عن هاتين الآيتن بأن المقصود بهما هو الزنا الطبيعي بين الرجل والمرأة، وأن هاتين الآيتين قد نُسختا بآية الجلد في سورة النور، والرجم من خلال السنة.
هناك شبه إجماع على أن آية سورة النور نسخت الآيات التي بين أيدينا الآن، ولكن لو تدبرنا هذه الآيات جيدًا، لوجدنا أن الآيات لا تتحدث عن الزنا الطبيعي، وإنما تتحدث عن المثلية الجنسية. لفظ اللاتي الذي جاء في أول الآية رقم 15 يقصد به جمع النساء؛ أي أن الفاحشة بين جمع من النساء. في حالة العقاب نجد أن كتاب الله حدد أربعة شهود لإثبات هذه الواقعة، فإذا ثبتت الفاحشة على هؤلاء النساء صدر العقاب الإلهي بحبسهن في البيوت. الآية الكريمة مخصصة للنساء فقط، وليست كالآية في سورة النور التي جمعت الزانية والزاني: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة النور: آية 2).
في آية سورة النور جاء ذكر الزنا صراحة، بينما في الآية التي بين أيدينا جاءت بذكر الفاحشة، وهذه الدقة في التعبير من عظمة وإعجاز هذا الكتاب العظيم.
في الآية التالية سيصبح الأمر أكثر وضوحًا وبينة، فقد بدأت الآية الكريمة بالاسم الموصول اللذان الذي يدل على مثنى مذكر: ﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (سورة النساء: آية 16).
ألم يسأل العلماء أنفسهم لماذا ذكر هذا الاسم الموصول بهذه الطريقة؟ ولماذا آية مخصصة للنساء، وآية مخصصة للرجال؟
من خلال سياق الآية الكريمة نستطيع أن نفهم أن هذه الفاحشة تقع بين الرجال، وهي بالفعل المثلية الجنسية، التي لم يفرق القرآن فيها بين الفاعل والمفعول، وحدد العقاب الرباني وهو الأذى، وهذا الأذى يحدده المجتمع مسترشدًا بكتاب الله.
في هاتين الآيتين لا يوجد قتل لأصحاب المثلية الجنسية، وإنما الحل الرباني أقرب للعلاج منه للعقاب.
في حالة النساء يبدو واضحًا أن مسألة العزل عن المجتمع قد تكون علاجًا لهذه الفاحشة، وقد يكون المقصود قول الله سبحانة وتعالى ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ أي علاجهن من هذه الفاحشة عن طريق عزلهن عن المجتمع. لو استطاع العلم بطريقة ما تقرير أن المريضة قد برأت من هذا السلوك قد يكون هذا هو سبيل الله لها في الخروج وممارسة حياتها الطبيعية.
نكتفي بهذا القدر من خلال المعالجة الدينية .
"الأبحاث التي تقول أن المثلية الجنسية أمر جيني لن نكذبها، ولكن دعونا نتساءل أليس هناك كثير من الأمراض متعلقة بالجينات؟ فهل من المفترض تشجيع المرض والتصالح معه، أم الطريق السليم للتعامل مع وضع كهذا هو محاولة إيجاد علاج له؟ لقد كان الحل الرباني علاجًا، ولم يكن عقابًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
من خلال قصة نبي الله لوط ومن خلال الآية الكريمة التي أرشدت إلى هذا الفعل، وخصوصًا قول الله سبحانه وتعالى ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ يبدو جليًّا أن هذا الفعل مستجد على البشرية إذا لم يكن موجودًا قبل استحداثه من قِبل قوم لوط. فهل هذا السلوك الشاذ انتقل إلى الجينات عبر الأجيال، كما بينا ذلك من خلال قصة نبي الله نوح؟ لا أستبعد أبدًا ذلك، وهو انتقال هذا المرض عبر الجينات إلى البشرية عبر العصور. ليس كل أمر جيني واجب الحدوث، ولكن المعروف أن كثيرًا من المشاكل الجينية لا تظهر إلا في وجود عوامل مساعدة لظهورها.
يبدو من خلال كتاب الله أن هذا الأمر لو لم يقبل وعولج بالمنهج الرباني لعاد القهقري، ولم يؤذ المجتمع على العكس من ذلك التصالح مع أمر كهذا بل وتشجيعه يعطي دفعة وتحفيزًا للآخرين أن يسيروا في نفس الطريق، وبدلًا من علاج بعض الحالات الفردية يصبح الأمر كالوباء.
خطورة هذا الأمر على مستقبل البشرية ربما لا يدركها أرباب الحرية الجنسية، ولا يحسبون عواقبه، فعندما يكتفي كل طرف بمثيله تصبح البشرية على أهبة الانقراض، ولن ينفعها وقتئذ علاج المصلحين. بالطبع نتمنى ممن يتبنون التصالح مع هذا الأمر على أنه أمر جيني، أن يدركوا هذه الحقيقة وأن يكفوا عن تشجيع المرض على الانتشار. نسلم لهم أنه أمر جيني ولكن ليس هذا هو الوضع الطبيعي، وهو أمر لو تصالح المجتمع معه كما يرغبون، لكان عامل تحفيز أيضًا وتنشيط لجينات الآخرين، وبدلًا من علاج ومساعدة المبتلين سنجر على البشرية مزيدًا من المشاكل التي هي في غنى عنها.
التوجيه القرآني اللطيف في هذا الفعل هو أشبه بتربية الأبناء حتى يتعودوا السلوك القويم، وليس إقصاءهم وإبعادهم. عندما تنهر ابنك عندما لا يقوم بغسل يديه أو يفعل أي سلوك غير طيب فأنت في الحقيقة توضح له أن هذا الفعل مستقذر، وأنه لا يجب فعل ذلك. سيراجع الطفل نفسه مرات قبل فعل يعلم جيدًا أنه غير مرحب به مما يعدل سلوكه. على العكس من ذلك تمامًا لو لم تفعل بل تساهلت مع أفعاله وشجعتها فسيخرج يحمل القذارة في سلوكه ويورثها لأبنائه. بالقطع ليس بعيدًا إذا تعود الإنسان القذارة أن تنطبع في جيناته ويتم توارثها، وكما ذكرنا من قبل أن توارث السلوك أمر وارد علميًّا. هل إذا ثبت علميًّا أن قذارة الشخص أمر جيني هل من المفترض التسامح معها، أم الطريق الأفضل هو محاولة علاجها، وإعادة الإنسان للوضع الطبيعي. بقدر ما نحذر من الانجراف خلف موروث القبيلة، وتجاوز حدود الله في تغليظ العقاب، بقدر ما نحذر أيضًا من التهاون ومحاولة تَقبل الشذوذ، والانحراف في السلوك بدعوى الحرية الشخصية."

No comments:

Post a Comment

سورة الكهف واللغز المحير

قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى ما زال يعتريها كثير من الغموض وعليها كثير من علامات الاستفهام. رغم أني تناولت هذه القصة في أحد كتبي واقترب...