Thursday, June 29, 2023

الخمار والجلباب

في المرة الأولى التي كتبت فيها هذا المقال، تلقيت ردوداً غاضبة من بعض الأصدقاء، على الرغم من تأكيدي بأن المقال دراسة بحثية وتحليلية لكلمتين في كتاب الله، وهما "الخمار" و"الجلباب"، وأنه ليس لها علاقة بالإباحة أو التحريم.


 الناس متحفزة دائما في قضية غطاء الرأس لأنها  من ناحية قضية الرمزية بالنسبة لهم ومن ناحية أخرى بسبب فساد مجتمعات تعج بالمتحرشين دون رحمة.  لقد سمى القرآن هؤلاء المتحرشين كما سوف نرى في نهاية المقال بالمنافقين والذين في قلوبهم مرض. المتحرش ليس فقط من يحاول  التودد والتقرب بشكل مقزز ممن لا يرغب فيه بل أيضا المتحرش هو من يغمز ويلمز  الآخرين ويفرض  ويعلن وصايته عليهم  ويصنفهم بناء على اعتقاده.  من كمال مروءة  الإنسان ألا يتدخل فيما لا يعنيه ولا يحشر أنفه فيما لا يخصه وان ينصرف بالحسنى  عما لا يتوافق مع معتقداته.  المجتمعات التي يتزاحم فيها المراهقون سواء مراهقون فكريا أو مراهقون بحسب العمر على سب  الآخرين أو تصنيفهم بناء على معتقدات معينة هي مجتمعات لا خير فيها ولا يجب أن يسمح لهؤلاء بلصق تلك القاذورات المستقرة في عقولهم بدين الله. 

 المقال عن  الخمار والجلباب كما تم نشره عام 2019. 


 العالم العربي لسبب ماغير معروف لا يتقن التعامل مع النظريات. هذه الظاهرة يعرفها كل مهتم ومتابع للبحث في منطقتنا؛ وهي ضعف الجانب النظري بشكل ملحوظ مما ينعكس على فهم نظريات عمل الأشياء.

تبدو هذه الجزئية شديدة الوضوح في الكليات العلمية حيث العجز المعرفي واضح في عدم فهم الأساس النظري بشكل صحيح وسليم لكثير من العلاقات.

المنهج العلمي الحديث والمتمثل في ظهور النظريات بدأ في التبلور منذ ما يقرب من 300 سنة تقريبًا، وذلك ما يفسر تضاعف النهضة العلمية والمعرفية منذ ذلك الوقت.

على المستوى الدينى جاء كتاب الله ملء بالنظريات المعرفية والتي تحتاج لقراءة مستمرة وبحث عميق؛ و عدم فهم هذه النظريات القرآنية انتج واقع مليء بالاختلاف والتشويش.

لقد كان تفسير القرآن الكريم معتمدا بشكل مباشر على مجموعة معارف المعاصرين له دون أي منهج علمي واضح سوى السمات الشخصية للمفسر وقدرته على حفظ أكبر قدر من المعارف. سوف نلاحظ عدم وجود منهج علمي محدد في فهم اللفظ القرآني من خلال التباين الكبير في فهم لفظ معين وفي تفسير الآيات الكونية والتي لم يخرج تفسيرها وتأويل ألفاظها عن مفردات مثل الخيل أو الرياح أو الملائكة. لا يمكن اعتبار هذه المحاولات الأولية تقصير، بل على العكس من ذلك محاولات محمودة وتفاعل عبقري بمقاييس هذا العهد ولكن قياس هذه المحاولات بمعايير هذا العصر يظلمها كثيرا، والقياس غير منصف بالمرة.

القول بأن المعاصرين للنبي صلوات ربي عليه هم أفضل من يفهم كتاب الله هو قول ليس عليه دليل وضد المنهج القرآني الذي يطالب اتباعه بالقراءة (البحث والتدبر) المستمرة وضد حركة التطور المعرفي للبشرية وفي القلب منها كتاب الله. عبارة الأقدمون هم أكثر الناس دراية بتأويل كتاب الله، يكشف خطأها تفسيرات عديدة لنصوص قرآنية عن آيات كونية أو آيات الخلق بمختلف مراحله؛ حيث جاءت أغلب التفسيرات القديمة بسيطة وسطحية وغير قائمة على أي أساس( مثال مراحل خلق الجنين(الجزء الثاني من كتاب تلك الأسباب).

مع تطور البشرية وتقدم الزمن استمر تفسير كتاب الله معتمدا على معارف السابقين ومدلول الكلمات لدى العرب فيما يعرف بنظرية الاصطلاح.

نظرية الاصطلاح هذه تعني ببساطة أن القرآن الكريم نزل بلسان العرب (الناس) وهذه الفرضية خاطئة بالمرة!!!!.

القرآن الكريم نزل بلسان عربي وليس بلسان العرب والفرق بينهما هو فرق شاسع. القول بأن القرآن الكريم نزل بلسان العرب جعل المفسرين والباحثين يستخدمون نظرية الاصطلاح( والتي تقول أن اللغة إنتاج بشري صرف ) في فهم كتاب الله.

أما القول بأن القرآن الكريم نزل بلسان عربي كان يلزم معه استخدام النظرية التوقيفية (والتي تفترض أن اللغة هي وحي إلهي وتوقيف من الله). نتيجة هذا الفرق هو اعتبار كلمات القرآن حقيقة مطلقة ويجب التعامل معها والانطلاق من هكذا فرضية  لفهم اللفظ القرآني. أي محاولة لاعتبار اللفظ القرآني حقيقية في ظل وجود نظرية الاصطلاح كمنطلق أساسي سوف تبوء بالفشل وسوف يحدث ارتباك واضح في النتائج وهذا لم لم ينتبه إليه بعض المفكرين  المعاصرين الأفذاذ . 

على المستوى  العام كثير جدا من الناس وحتى على مستوى الباحثين في الدراسات الدينية لا يستطيعون إدراك الفرق بين استخدام النظريتين وذلك بسبب  قصور شديد في التكوين المعرفي الذي لا يراعى تدريس والتأكيد على البناء النظري ويقوم في مجمله على التلقين واسترجاع ما تم تلقينه . 


الفرق بين نظرية الاصطلاح النظرية التوقيفية في فهم كتاب الله تجدونه في الجزء الثاني من كتاب تلك الأسباب).

 نعم أغلب علماء الأمة على اختلاف مشاربها استخدموا نظرية الاصطلاح في فهم الألفاظ في كتاب الله، لذلك عندما نعرض معلومة من كتاب الله قائمة على النظرية التوقيفية تجدهم يستنكرون ويستخفون بالنتائج لأنهم ببساطة يقيسون المعلومات الناتجة عن النظرية التوقيفية على المعلومات التي يمتلكونها من خلال نظرية الاصطلاح التي يعتنقونها. لو أنهم صبروا وناقشوا و استفسروا لكان خيرا لهم ولعل البعض كان قد أدرك الفرق واستطاع تدارك الأخطاء بالجملة التي ينسبونها لكلمات الله. 

على مر التاريخ سنجد ومضات ومحاولات متفرقة لفهم اللفظ القرآني من خلال كتاب الله نفسه وعن طريق النظرية التوقيفية ولكن لسبب ما ضاعت جهود هؤلاء وسط عقل جمعي كثيف يحتكر المعرفة ويقصي أي محاولات فكرية جديدة.

نتيجة طبيعية لعدم قدرة نظرية الاصطلاح في تلبية رغبة العصر الحديث في فهم الألفاظ القرآنية ظهر ما يسمى بالإعجاز العلمي للقرآن الكريم. الإعجاز العلمي للقرآن الكريم هو محاولة لإيجاد صدى الانجازات العلمية في كتاب الله بشكل لاقى معارضة شديدة، إذ يعتبره البعض نوع من التوفيق غير المقبول بين اللفظ القرآني وبين المنطوق العلمي؛ وهو في الحقيقة وضع مقلوب، إذا أن من المفترض أن تكون القراءة السليمة لكتاب الله سلم لفهم الظواهر الكونية وبوابة معرفية لما لم يتم اكتشافه بعد .. 

عندما استخدمنا النظرية التوقيفية مع إضافة بعض التعديلات البسيطة في فهم الألفاظ القرآنية، استطعنا استخراج معلومات غاية في الروعة والبساطة، والتي يبدو أنها تتوافق مع القوانين الكونية بشكل لا مثيل له.

لم يكن عرض هكذا نتائج هو نوع من الاستعراض أو الفذلكة العلمية ولكنه تقديم نظرية عظيمة في فهم كتاب الله وتمهيد لما سوف يأتي بعد ذلك، تزداد فيه الأدلة وضوحًا والبراهين إخبارًا عن نفسها. ( ملاحظة هذه المقالة كتبت بعد كتابة الجزء الثالث  والآن لدينا كتاب رابع تحت عنوان قولا ثقيلا وكتاب خامس تحت عنوان إسراء إسرائيل كنتيجة مباشرة لتطبيق هذه النظرية وما نتج عنها من منهج). 

سوف اقدم هنا مثال حي على تحليل ألفاظ غاية في التعقيد بناء على ما يسمى النظرية التوقيفية وهذه الألفاظ هي ألفاظ الخمار والجلباب.  

هذه القضية شغلت وتشغل وستظل تشغل بال الكثيرين،  حيث أن أهميتها تنبع بالأساس من كونها رمز أساسي في نظر الكثيرين بين المسلم وغير المسلم أو الملتزم  وما سواه. قضية الحجاب أو غطاء الرأس شكلت حجر أساس في فكر هذه الأمة  بسبب رمزيتها وما تشكله في البينة الفكرية للمجتمعات.

يستقي الباحثون أحكام هذه القضية من ثلاث مصادر رئيسية وهي القرآن والسنة النبوية "وإجماع الأمة".

القرآن الكريم هو نص أبدي، والسنة الشريفة هي تفاعل النبي الكريم مع كتاب الله والإجماع هو نتاج فكري لبعض البشر لاقى استحسان وقبول.

هنا سوف نحاول فهم اللفظ القرآني فقط بإستخدام المنهج العلمي الذي نتبناه ونعرض النتائج بشكل بسيط دون الدخول في صلب القضية أو إصدار حكم معين.

الخمار والجلباب:

كلمة الخمار أو خمرهن، أصلها خمر، ورد جذر الكلمة خمر في كتاب الله في خمس مواضع منها أربعة خاصة بالخمر المعروف والخامسة هي الخاصة بما يسميه الناس آية الحجاب في سورة النور…

"وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ " ( سورة النور : الآية 31)

كلمة خمرهن بالتحديد هي ما سببت الاختلاف بين الباحثين؛ حيث يعتقد بعض الباحثين أن كلمة خمرهن تعني اغطية الرأس ، وعلى ذلك إذا كان الأمر بتغطية الجيوب ( الفتحات ) هو المقصود، إلا إن تغطية الرأس مشمول بالآية الكريمة، كما قلنا لأن الخمار لديهم هو غطاء الرأس.

المعارضون لهذه الجزئية، يقولون أن الأمر هنا هو أمر بتغطية الجيوب فقط وليس هناك أي أمر لتغطية الشعر في الآية الكريمة.

نلاحظ أن الفريق الثاني وافق ضمنيا على أن الخمار هو غطاء الرأس، وذلك اعتمادا على أن مدلول الكلمة لدى العرب تعني ذلك.

لكن بتتبع الكلمة في كتاب الله والاستعانة بجذر الكلمة سنجد أن الخمر الموصوف في كتاب الله يغطي ويستر العقل بالكلية ولا يستر جزء فقط. أما جذر الكلمة في قاموس المعاني فله أصل واحد وهو التغطية.

أضف إلى ما سبق وجود آثار وروايات تدل على أن غطاء الرأس أيام البعثة النبوية، كان يسمى مرط وجمعه مروط، كما نصت على ذلك الروايات في كتب الحديث المختلفة. من هنا نجد أن كلمة خمار تعني غطاء بشكل عام  ويمكن فهمه بشكل بسيط على أنها الرداء أو الملابس الخارجية والتى يجب أن تكون ساترة للجيوب. لاحظ أن بلاغة القرآن لا يمكن أن تغفل تغطية  شعر الرأس  رغم أنها ذكرت صراحة ستر الجيوب. 

ما يقوله بعض المختصين من أن الخمار هو غطاء الرأس بالإجماع هو ما نحذر منه وهو ما يسمى نظرية الاصطلاح. أي اصطلح الناس على تسمية شئ ما ويتم تداوله بغض النظر عن مطابقته للحقيقة. 

اللفظ القرآني دقيق ولا يلقي بلا لمثل هذه التسميات ولكن يستخدم الوصف الحقيقي والتسمية  الصحيحة لوصف كل إسم. 

في هذه النقطة تحديدا يجب أن يحذر الباحث من التداعي خلف مورثات ويتقي التحييز ويحاول استخدام منهجا علميا سليما لفهم الفظ بعيدا عن القولبة. 

ما لم يشر القرآن أن الخمار غطاء للشعر لا يمكن صرفه إلى ذلك ويجب التعامل معه بشكل عام وهو غطاء عام أو ردأ كما نفهمه في لغتنا المعاصرة. 

لو إن القارئ خبير فقط بملابس المجتمعات قبل 50 أو 100 عام لاستطاع بسهولة فهم لفظ ردأ حيث إن أغلب المجتمعات كانت ترتدي لباس خارجي فضفاضا يستر الجسد كله ( باللهجة المصرية ملاية أو عباية في بعض المجتمعات الأخري). 

من هنا نجد أن لفظ خمار يشير إلى اللباس الخارجي أيا كان هذا اللباس دون تحديد وصرفه إلى غطاء الرأس وحمل الناس عليه وتصنيف الناس وسب الناس الناس بناء على لباسهم هو نوع من التجاوز الذي يجب أن يتوقف فورا. 


الآية الثانية : التي تتحدث عن الجلابيب


"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا"( سورة الأحزاب : الآية 59).

سوف نحاول فهم كلمتي يدنين وكلمة جلابيب كما يأتي:

كلمة يدنين وأصلها دنى تعني اقترب وكما في قاموس المعاني فإن أصل الكلمة من المقاربة. وردت كلمة أدنى في كتاب الله 12 مرة وتعني أقرب.

من ذلك نجد إن مدلول كلمة يدني الشئ تعني يقرب الشئ.

 لفظ جلباب 

لفظ جلباب وأصله جلب له أصلان؛ الأصل الأول هو الإتيان بالشيء من موضع إلى موضع والأصل الثاني هو شئ يغشي شئ.

ورد الجذر جلب في كتاب الله في موضعين الآية الخاصة بالجلباب والآية التالية.

" وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا" ( سورة الإسراء : الآية 64).

بالمقارنة ومحاولة فهم مدلول الكلمة عن طريق جذرها وهو شئ يغشى شئ، وسياق الآية الكريمة سنجد أن كلمة جلابيب تصف حالة الملابس القريبة من الجسد أو الطبقة الاولى من الملابس التي تغشى الجسد ( الملابس الداخلية).

 الشئ العجيب أن لفظ جلب أيضا يصف بلغتنا المعاصرة قطعة جلد تسمى ( جلبة) وهو طبقة داخلية تغشى جزئين من المعدن وهذا الوصف محير جدا إذ أن الإنسان باستخدام  نظام التوجيه الإلهي استطاع ويستطيع على مر العصور تسمية الأشياء بطريقة جيدة في كثير من الأحيان. هذا هو صلب المنهج الذي استخدمه إذ أنني أنطلق من اللفظ القرآني كحقيقة مطلقة ثم اعاير عليه كل ألفاظ الإنسان لنستخرج منها الحقيقي واستبعد منها المحرف أو غير الحقيقي. 


إذا علمنا من خلال التاريخ أن الملابس الملاصقة للجسم كانت وإلى وقت قريب جدا بما في ذلك أوروبا، فضفاضة وبدائية، سوف ندرك أن هذا التوجيه القرآني كان سابق بمئات السنوات ًولكن بسبب نقص المعرفة لم يتم تعريفها بالشكل الصحيح.

المراد من التعبير القرآن ييُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ  أن يجعلن الطبقة الداخلية قريبة بشكل من الجسد نفسه فلا يتكشف الجسد تحت أي تأثير.


لدينا آيتين في كتاب الله، الآية الأولى تصف الطبقة الخارجية من الملابس وهي الخمار والآية الثانية تصف الطبقة الداخلية وهي الجلباب. هذا الوصف  القرآني تحديدا يصف ما يمكن تسميته (الاحتشام) أن يكون الإنسان محتشم فلا يطمع فيه منافق أو مريض. 

في كل ثقافات العالم نجد مفهوم الاحتشام حاضر بقوة وأهم بنوده تغطية الجيوب  مما يعطي رسالة للجميع بالجدية والرغبة في تجنب المنافقين أو المستهترين.  التوجيه القرآني هو توجيه للفتاة أو السيدة حتى تتقي وتتجنب كلابا مسعورة تعج بها المجتمعات. 


هذا الكلام ليس رأي شخصي بل هو توضيح في كتاب الله وتعليل لماذا وجه القرآن هذه التوجيهات عندما قال في الآية التالية 

(لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَّلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) (سورة الأحزاب : آيات 60، 61).

توجيه وإرشاد لطيف من رب العاملين للنساء، بينما تحذير شديد اللهجة ولعنة على أولئك الذين يتبعون النساء و يؤذونهم. 


لا شك أن كل مجتمع يفرض على أفراده لباسًا بشكل معين، وهذا الأمر ليس بالشيء السيء، ولكن المشكلة تكمن في اعتبار مقاييس المجتمع هي نفسها  مقاييس الله، رب العالمين وخلط الأمور مما يسبب حرج للناس و خلط في المفاهيم وعنت يفرضه الناس على أنفسهم. 

من أراد أن يزيد شئ فليفعل ولكن يجب أن يلتزم بها  ولا يلزمها أحد  ومن يفعل شئ  اعتقادا  صادقا أنه يرضي الله وهذا مبلغه علمه فالله به أعلم وأرحم.  فقط على الإنسان أن يحذر أن يؤذي  الناس بالتنميط والتصنيف بناء على عادات قبائلهم أو بناء على معتقداته الشخصية التي يؤمن بها. 

 كلما زاد رقي الإنسان زال ظنه بانه أفضل من الآخرين، وكلما انحدر الإنسان طال لسانه وقصر عقله. 


وهم المعرفة

 وهم المعرفة! (متلازمة دونينغ-كروجر)

إحساس الفرد الزائف بتفوقه المعرفي، رغم ضحالة قدراته وتواضع إمكاناته هو أحد وأهم أسباب الجمود الفكري لديه، وهو حائط الصد في مواجهة أي تطور فكري محتمل.
هذه الظاهرة من الظواهر النفسية المعروفة في علم النفس والتى تسمى تأثير دونينغ- كروجر Dunning -Kruger Effect حيث يقوم الشخص بتقييم قدراته المعرفية ب أكبر من حجمها الحقيقي، مما يسبب له إحساس وهمي بالتفوق.
يقول دونينغ وكروجر، أن إحساس التفوق الوهمي ناتج بالأساس من وهم داخلي لدى الشخص متواضع القدرات.
تشير الدراسة إلى أن أصحاب الأداء الضعيف والاحساس الوهمي بالتفوق ليس لديهم القدرة على الاستفادة من الملاحظات التي يتلقونها على أدائهم الضعيف، وبالتالي لا يستطيعون تحسين هذا الأداء.
إذا كان جهل الإنسان بتواضع قدراته هو أحد الأسباب الرئيسية لهذا التحيز المعرفي الوهمي بالتفوق فإن هناك سبب اخر وهو جهل الإنسان بآلية عمل الأشياء أو افتقاره لفهم المنهج الذي تعمل من خلاله الأشياء.
لا شك أن تأثير هذا السلوك خطير خصوصًا إذا تحول إلى ظاهرة. أصحاب هذا السلوك غير قابلين للتعلم بسبب عدم إدراكهم لجوانب النقص في تفكيرهم، وتكمن الكارثة عند تولي أحد هؤلاء مسؤولية ما. هذه الشخصيات لا تؤمن إلا بقدراتها ولا ترتاح إلا لمن يوافقها الرأي، ويصبح انتقادها حتى على أساس علمي مخاطرة بسبب رسوخ فكرة قدراته العبقرية في نفسه.
هناك أسباب عديدة للتوهم المعرفي، منها ما يتعلق بالفرد نفسه وحاجاته الأساسية في إبراز دوره؛ ومنها ما يتعلق بالمجتمع مثل القهر والظلم واحتكار المعرفة ومصادرة الرأي الآخر والنظام التعليمي القائم على التلقين.
أخطر أنواع التوهم المعرفي هو وهم المعرفة الدينية الذي يمنح الإنسان ثقة في تبني وجهات نظر معينة لم يختبرها ويتعصب لها اعتقادا منه بأنه يؤدي خدمة جليلة لدينه ولربه.
ما ساعد على توهم المعرفي الديني لدي الغالبية العظمي من أفراد المجتمع هو الطريقة التي يتلقى بها الناس هذه المعرفة.
من خلال السطور القليلة القادمة سوف نحاول إلقاء الضوء على حالتين من حالات التعاطي مع المعرفة الدينية أدت إلى تعزيز إحساس الشخص بوهم المعرفة الزائف، مما صنع منه إنسان غير مستعد لتقبل الأفكار مهما بدت منطقية.
في البداية لابد إن ننوه أن حاجة العقل البشري وكيفية تعاطيه مع المعرفة تختلف باختلاف الوقت. ما يمكن اعتباره ضروري و شئ أساسي لكي يستطيع العقل البشري فهم وتقبل فكرة ما في مرحلة معينة قد يصبح عبء وعائق لتطور هذا العقل في المراحل المتقدمة.
مثال بسيط لاحتياجات العقل ومتطلباته المعرفية:
نفترض أننا نرغب في تعليم طفل صغير عملية جمع وطرح الأعداد. من المقبول جدا بل من متطلبات العملية التعليمية استخدام الطفل أصابع يديه كعداد لفهم عملية جمع وطرح الأعداد، حتى يتم ترسيخ فكرة الجمع والطرح في عقله. إذا استمر الطفل في استخدام يديه في عملية الجمع والطرح حتى سن مبكرة فذلك يعتبر مؤشر خطير في عدم تطوره العقلي.
هذا ما نعنيه بالضبط من أن متطلبات المجتمعات في مرحلة معينة من مراحل تطور البشرية المعرفي قد لا تصلح في المراحل المتقدمة، بل تصبح مؤشر على على عدم النضوج الفكري لهذه المجتمعات.
الحالتين اللتين أدتا إلى توهم المعرفة الزائف لدى الفرد وترسيخ فكرة معينة في عقله هما حالة الإجماع مقابل الدليل وحالة مظهر لباس رجل الدين.
الحالة الأولى: الإجماع مقابل الدليل:
الهدف الأساسي من فكرة الإجماع هو تحصين الأفراد ضد العبث الفكري لأصحاب الأفكار المنفردة وزيادة جرعة الاطمئنان في نفوس العامة. في الماضي كانت العقول في حاجة ملحة للإجماع على فكرة معينة وخصوصا قبل ظهور المنهج العلمي في البحث وقبل كثافة الدليل والبرهان العقلي.
تبني فكرة الإجماع في عصر الانفجار المعرفي واعتباره دليل ذو قيمة عظمى في المسائل الفكرية، سبب انغلاقًا فكريًا وساعد بشكل كبير في توهم المعرفة.
فكرة الاعتماد على الإجماع كدليل في المسائل الفكرية هي فكرة فاشلة تمامًا، حيث خلقت تحيز معرفي لدى غالبية أفراد المجتمع بوهم التفوق مما دعاهم لعدم اختبار هذه المعرفة؛ خصوصا لدى الافراد أصحاب القدرات المحدودة. تضخيم فكرة الإجماع كدليل والاتكاء عليها في مواجهة أدلة عقلية ومنطقية لم تخلق كسل فكري فحسب بل صنعت هذا الإحساس الزائف بالتفوق وأعطت شرعية لرأي الأكثرية بغض النظر عن معقولية ومنطقية هذا الرأي.
رغم تصوير فكرة الإجماع على أنها منهج شرعي إلا أن المنهج القرآني حذر اتباعه من الإختباء خلف الإجماع في المسائل الفكرية والعقلية عندما ذكر في أكثر من موضع التعبير القرآني العظيم " أكثرهم لا يعقلون".
الحالة الثانية: لباس رجل الدين تجسيد لفكرة العلم.
فكرة التجسيد ظهرت مع اللحظات الأولى للبشرية حيث العقول في حالة بدائية غير قادرة على فهم المعانى المجردة بشكل كامل. فمثلا فكرة الطاعة والمعصية والقبول والرفض تجسدت منذ اللحظات الأولى في مسالة تقديم القربان، حيث كانت تنزل نار من السماء تأكل القربان المقبول في إشارة على الطاعة والقبول بينما تترك القربان المرفوض دليل وإشارة على المعصية.
غزارة الآيات ( المعجزات) المادية التي كانت تؤيد الأنبياء هي نوع آخر من تجسيد القدرة الإلاهية حتى يستطيع العقل إدراك المعاني والمفاهيم وقبول الرسالة التي جاء به النبي أو الرسول.
محاولات العقل البشري على الدوام تجسيد الإله وتشخيصه سواء في صورة أصنام كما فعلت كثير الأمم أو في صورة العجل كما فعلت بني إسرائيل كان بسبب عجز العقل عن إدراك فكرة الألوهية المجردة.
ميراث تجسيد الأفكار له أشكال ومظاهر عديدة. من هذه المظاهر هي محاولة خلق صورة مادية لرجل العلم أو رجل الدين من خلال لباس ومظهر معين. هذا المظهر المميز والصورة النمطية رسخت في نفوس الأفراد ارتباط العلم الصحيح والمنهج السليم بهذه الصورة.
قد يكون تجسيد العلم والمعرفة وارتباطه بزى معين ومظهر محدد ذو فائدة في المراحل الأولى لتطور العقل البشري، حتى يستطيع هذا العقل تقبل الأفكار بسهولة. استمرار الاعتماد على هذا النموذج في تقديم الأفكار ومناقشتها في ظل هذا التطور المعرفي المذهل له آثار مدمرة على على البناء الفكري للأفراد.
هذا النموذج التعليمي في تقديم وشرح الأفكار وإيصال المعلومة، اعتمد التشخيص والقولبة، بدلًا من تعليم القياس والمقارنة والقدرة على فرز وترتيب وتهذيب الأفكار؛ كما أرشد القرآن الكريم في قوله(علم بالقلم)( الجزء الثاني من كتاب تلك الأسباب).
لكى نفهم كيف يمكن لاستخدام مسألة الإجماع كدليل في مواجهة أدلة عقلية ومنطقية وكيف يمكن لمظهر من المظاهر المرتبط بالعلم والمعرفة خلق تحيز معرفي لدى الأفراد؛ كان لابد من فهم تطور العقل البشري ومراحل إنتقاله من النقل إلى العقل ومن التجسيد إلى التجريد.
عندما يواجه صاحب متلازمة دونينيغ-كروجر أفكارا جديدة مدعومة بالدليل والبرهان صادرة من صور ليست نمطية بالنسبة له وتخالف منظومته الفكرية ستجده يناصبها العداء في محاولة منه للدفاع الذاتي عن نفسه وعن شعوره الزائف بالتفوق.
واقع بائس لا يمكن الإفلات منه إلا بترسيخ المفهوم القرآني " قل هاتوا برهانكم " ليصبح الدليل والبرهان هو سيد الموقف . أضف إلى ذلك ترسيخ تقبل الاختلاف و التحدث بلغة الاحتمالات وعدم احتكار المعرفة. إنتاج الأفكار السليمة في مجتمعات ضحلة فكريًا يبالغ أفرادها في تقدير حجم قدراتهم المعرفية، هو في الحقيقة إنتاج عقيم محكوم بالفناء والضياع داخل عقل جمع عشوائي لا يؤمن بالمنهج العلمي ولا يستوعب الأساليب البحثية.
إذا كانت عملية إنتاج أفكار سليمة تحتاج عقليات راقية ومهارات خاصة، فإن القدرة على فهم هذه الأفكار تحتاج لنفس المهارات والرقي العقلي.

المثلية الجنسية وكيف تعامل معها النص القرآني

 شاهدت أكثر من لقاء لبعض "الشيوخ" يتحدثون فيه عن المثلية الجنسية، ولم يشير أي من هؤلاء لمعالجة القرآن الكريم لعملية المثلية الجنسية، ألتمس لهم العذر لأن أغلبهم ينقل من الكتب، ولم يقوموا بأي بحث حقيقي، ولو أن أحدهم نظر في كتاب الله بدلاً من كُتب التاريخ لوجد كتاب الله سهل التدبر وفي متناول يديه.

في السطور التالية سنجد كيف عالج القرآن الكريم مسألة المثلية الجنسية وسوف أحاول الإختصار قدر المستطاع، والموضوع بالكامل موجود بالجزء الأول- كتاب تلك الأسباب- الطبعة الثانية📕
" لقد جاء قوم لوط بفعل لم يكن موجودًا من قبل بنص كتاب الله، وهذا الفعل عندما تفشى فيهم استحقوا العقاب لأنهم كانوا سابقين في هذا الفعل، ولم ينتهوا أو يرتدعوا، بل شرعنوا فعلهم، وأصبح هذا الوضع الشاذ في مجتمعهم بمثابة الوضع الطبيعي،
عندما أصبح الوضع المقلوب هو المسيطر، وأصبحت قلوبهم متوافقة على الإنحراف ، أصبح وجودهم خطرًا على البشرية، وليس منه أدنى فائدة، ويمثل عبئًا على النظام الكوني ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾
(سورة الأعراف:آيات 80 -81).
سنتوقف عند هذه الفاحشة التي كان يفعلها قوم لوط،
وهل هي أمر طبيعي كما يقول بعض المهتمين بدراسة الأمر من الناحية العلمية أم أن المسألة جينية بحتة؟
هناك أبحاث عديدة حول هذا الأمر تقول إن المثلية الجنسية أمر جيني، ولا داعي للخجل منها، وأن العقاب تحت ضغط الدين هو عقاب غير منصف.
لا شك أن القتل كعقاب لهذا السلوك كما يقول بذلك بعض الفقهاء ليس هو المنهج القرآني السليم،
وإنما حث كتاب الله على التعامل مع هذا الأمر بطريقة مختلفة تماما عن الزنا بشكل أقرب للعلاج منه للعقاب.
دعونا نستكشف عقاب المثلية الجنسية من خلال القرآن الكريم، ونرى كيف عالج المنهج القرآني هذا الأمر بعيدًا عن التحيز المعرفي وعبء العقل الجمعي.
الآيات الكريمة التي تتحدث عن هذا الأمر من سورة النساء
﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾(15).
﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (16).
أغلب التفاسير تحدثت عن هاتين الآيتن بأن المقصود بهما هو الزنا الطبيعي بين الرجل والمرأة، وأن هاتين الآيتين قد نُسختا بآية الجلد في سورة النور، والرجم من خلال السنة.
هناك شبه إجماع على أن آية سورة النور نسخت الآيات التي بين أيدينا الآن، ولكن لو تدبرنا هذه الآيات جيدًا، لوجدنا أن الآيات لا تتحدث عن الزنا الطبيعي، وإنما تتحدث عن المثلية الجنسية. لفظ اللاتي الذي جاء في أول الآية رقم 15 يقصد به جمع النساء؛ أي أن الفاحشة بين جمع من النساء. في حالة العقاب نجد أن كتاب الله حدد أربعة شهود لإثبات هذه الواقعة، فإذا ثبتت الفاحشة على هؤلاء النساء صدر العقاب الإلهي بحبسهن في البيوت. الآية الكريمة مخصصة للنساء فقط، وليست كالآية في سورة النور التي جمعت الزانية والزاني: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة النور: آية 2).
في آية سورة النور جاء ذكر الزنا صراحة، بينما في الآية التي بين أيدينا جاءت بذكر الفاحشة، وهذه الدقة في التعبير من عظمة وإعجاز هذا الكتاب العظيم.
في الآية التالية سيصبح الأمر أكثر وضوحًا وبينة، فقد بدأت الآية الكريمة بالاسم الموصول اللذان الذي يدل على مثنى مذكر: ﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ (سورة النساء: آية 16).
ألم يسأل العلماء أنفسهم لماذا ذكر هذا الاسم الموصول بهذه الطريقة؟ ولماذا آية مخصصة للنساء، وآية مخصصة للرجال؟
من خلال سياق الآية الكريمة نستطيع أن نفهم أن هذه الفاحشة تقع بين الرجال، وهي بالفعل المثلية الجنسية، التي لم يفرق القرآن فيها بين الفاعل والمفعول، وحدد العقاب الرباني وهو الأذى، وهذا الأذى يحدده المجتمع مسترشدًا بكتاب الله.
في هاتين الآيتين لا يوجد قتل لأصحاب المثلية الجنسية، وإنما الحل الرباني أقرب للعلاج منه للعقاب.
في حالة النساء يبدو واضحًا أن مسألة العزل عن المجتمع قد تكون علاجًا لهذه الفاحشة، وقد يكون المقصود قول الله سبحانة وتعالى ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ أي علاجهن من هذه الفاحشة عن طريق عزلهن عن المجتمع. لو استطاع العلم بطريقة ما تقرير أن المريضة قد برأت من هذا السلوك قد يكون هذا هو سبيل الله لها في الخروج وممارسة حياتها الطبيعية.
نكتفي بهذا القدر من خلال المعالجة الدينية .
"الأبحاث التي تقول أن المثلية الجنسية أمر جيني لن نكذبها، ولكن دعونا نتساءل أليس هناك كثير من الأمراض متعلقة بالجينات؟ فهل من المفترض تشجيع المرض والتصالح معه، أم الطريق السليم للتعامل مع وضع كهذا هو محاولة إيجاد علاج له؟ لقد كان الحل الرباني علاجًا، ولم يكن عقابًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
من خلال قصة نبي الله لوط ومن خلال الآية الكريمة التي أرشدت إلى هذا الفعل، وخصوصًا قول الله سبحانه وتعالى ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ يبدو جليًّا أن هذا الفعل مستجد على البشرية إذا لم يكن موجودًا قبل استحداثه من قِبل قوم لوط. فهل هذا السلوك الشاذ انتقل إلى الجينات عبر الأجيال، كما بينا ذلك من خلال قصة نبي الله نوح؟ لا أستبعد أبدًا ذلك، وهو انتقال هذا المرض عبر الجينات إلى البشرية عبر العصور. ليس كل أمر جيني واجب الحدوث، ولكن المعروف أن كثيرًا من المشاكل الجينية لا تظهر إلا في وجود عوامل مساعدة لظهورها.
يبدو من خلال كتاب الله أن هذا الأمر لو لم يقبل وعولج بالمنهج الرباني لعاد القهقري، ولم يؤذ المجتمع على العكس من ذلك التصالح مع أمر كهذا بل وتشجيعه يعطي دفعة وتحفيزًا للآخرين أن يسيروا في نفس الطريق، وبدلًا من علاج بعض الحالات الفردية يصبح الأمر كالوباء.
خطورة هذا الأمر على مستقبل البشرية ربما لا يدركها أرباب الحرية الجنسية، ولا يحسبون عواقبه، فعندما يكتفي كل طرف بمثيله تصبح البشرية على أهبة الانقراض، ولن ينفعها وقتئذ علاج المصلحين. بالطبع نتمنى ممن يتبنون التصالح مع هذا الأمر على أنه أمر جيني، أن يدركوا هذه الحقيقة وأن يكفوا عن تشجيع المرض على الانتشار. نسلم لهم أنه أمر جيني ولكن ليس هذا هو الوضع الطبيعي، وهو أمر لو تصالح المجتمع معه كما يرغبون، لكان عامل تحفيز أيضًا وتنشيط لجينات الآخرين، وبدلًا من علاج ومساعدة المبتلين سنجر على البشرية مزيدًا من المشاكل التي هي في غنى عنها.
التوجيه القرآني اللطيف في هذا الفعل هو أشبه بتربية الأبناء حتى يتعودوا السلوك القويم، وليس إقصاءهم وإبعادهم. عندما تنهر ابنك عندما لا يقوم بغسل يديه أو يفعل أي سلوك غير طيب فأنت في الحقيقة توضح له أن هذا الفعل مستقذر، وأنه لا يجب فعل ذلك. سيراجع الطفل نفسه مرات قبل فعل يعلم جيدًا أنه غير مرحب به مما يعدل سلوكه. على العكس من ذلك تمامًا لو لم تفعل بل تساهلت مع أفعاله وشجعتها فسيخرج يحمل القذارة في سلوكه ويورثها لأبنائه. بالقطع ليس بعيدًا إذا تعود الإنسان القذارة أن تنطبع في جيناته ويتم توارثها، وكما ذكرنا من قبل أن توارث السلوك أمر وارد علميًّا. هل إذا ثبت علميًّا أن قذارة الشخص أمر جيني هل من المفترض التسامح معها، أم الطريق الأفضل هو محاولة علاجها، وإعادة الإنسان للوضع الطبيعي. بقدر ما نحذر من الانجراف خلف موروث القبيلة، وتجاوز حدود الله في تغليظ العقاب، بقدر ما نحذر أيضًا من التهاون ومحاولة تَقبل الشذوذ، والانحراف في السلوك بدعوى الحرية الشخصية."

Thursday, June 22, 2023

البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ( كلمات عجيبة تحل إشكالية عصية على الحل!)

أيات سورة المائدة العجيبة، التي نهى الله فيها عن السؤال، كما يبدو للوهلة الأولى، ثم مفردات غاية في العجب، مثل البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وضعت حدا لاتهام القرآن بأنه يمنع ويقيد السؤال.


( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)(سورة المائدة : آيات 101-103).


الآية الأولى والثانية : ( ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)).


الخطاب الموجه هنا للذين آمنوا ويقول لهم الله: "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم". النهي هنا ليس متعلقًا بالسؤال، بل هو متعلق بقدرة السائل على استيعاب الإجابة. وسوف نكتشف ذلك مع تحليل آية البحيرة والسائبة.


الآية تتحدث عن مرحلة نزول القرآن، والقرآن كتاب يفصل كل شيء. فربما إجابة السؤال وقتها بشكل مباشر سوف تسبب حرجًا للسائل، إذا جاء تفصيل أمر ما لا يتطابق مع المعارف السائدة وقتها بشكل ما، أو أنه فكرة صادمة لدرجة كبيرة. فلا شك إن تفاصيل كهذه قد تسبب كفر بعض الناس.


أننا نرى بأم أعيننا كيف أن آيات القرآن تفصح عن أمور وتوضحها بشكل عجيب، ومع ذلك يكفر الناس بالمنطق والعقل ويكذبون الآيات، ويفضلون البقاء مع أساطيرهم التي تريحهم دون أي إحساس بالذنب أو التقصير.


تخيل أنه في وقت نزول القرآن، سُئِلَ شخص عن لفظ الطور أو النازعات أو الذاريات! ماذا لو بين القرآن أن الطور هو تطور الحياة والكائنات بصفة عامة بعبارات واضحة، ثم أُعطيَ أمثلة. أو أن القرآن أجاب مباشرة عن معاني النازعات، بأنها تصف شيئا لا يمكنهم استيعابه، ماذا سيكون رد الناس حينئذ؟"


النهي عن السؤال كان وقت نزول القرآن، لأن السؤال يلزمه إجابة، والإجابة المفصلة أكثر مما ينبغي، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية. لذا عفا الله عن ذلك، وهذا تخفيف للناس.


نرى هنا إجابة على سؤال لطالما شغل الناس، وهو لماذا لم ينزل القرآن مفصلاً ومباشرًا ولا يحتاج لكل هذا التأويل؟


الإجابة هنا مباشرة وواضحة:


المعارف التي تحملها كلمات وتعبيرات القرآن تفوق قدرة الإنسان، ولو تم تفصيل كل شيء بشكل مباشر منذ البداية في مجتمعات بسيطة، ربما كفر الناس. عدم المباشرة رحمة بالناس، حتى يتسنى لكل جيل الاستفادة بقدر ما يستطيع، حتى نصل إلى النقطة التي يمكننا فيها استيعاب كل الحقائق دون خوف من الكفر.



الآية التالية وهي:

(مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)(سورة المائدة : آية 103).


هذه الآية تستكمل توضيح وشرح علة النهي عن السؤال في صورة من صور البلاغة التي تمتاز بها كلمات الله.


التفسير القديم يقول أن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام هي صفات للحيوانات يتقرب بها المشركون للأصنام، مما يقطع العلاقة بين آية النهي عن السؤال وهذه الآية، بل ويطمس معرفة أعظم وأبلغ المعارف. (لن أقتبس من التفاسير القديمة ويمكن للقارئ الإطلاع على هذه التفاسير ليرى الجرم الذي ارتكب في حق كلمات الله).


بعد أن نهى الله عن السؤال وقت نزول القرآن، مراعاة لحالة السائل وحماية له من الكفر، طمأن الله الإنسان بقوله "ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة" إلى آخر الآية.


ما جعل الله من بحيرة.


قلت في الكتاب الأخير أنني على أعتاب فهم الحروف المقطعة، التي بها سيتغير كل شيء حرفيًا. فهم البحيرة هو أحد نتائج دراسة الحروف المقطعة، والتي سأذكرها بتفصيل إن شاء الله عند اكتمالها في كتاب قادم. دون الدخول في تفصيلات لغوية، جاء تحليل كلمة "بحيرة" تبعًا لمدلول جذر الكلمة، وهو "بحر" ويعني الاتساع الكبير مع الاضطراب، ومع فهم خصائص وصفات لفظ "بحر" ذاته، وجدت أن كلمة "بحيرة" تعني حالة من الاضطراب وهي تمامًا متوافقة مع اللفظ المعاصر الذي نستخدمه وهو "الحيرة".


قول الله: "ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَة"، أي أنه بعد نزول القرآن واستتباب الأمر، لن يترك شيئًا للحيرة. الحيرة هنا حيرة مطلقة بمعنى أنه لن يبقى شيء محيرًا إلى ما لا نهاية. هذا التعبير متوافق تمامًا مع قول الله سبحانه في سورة القمر: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ"، والذي تم شرحه بالتفصيل في كتاب قولا ثقيلا. إذًا عندما يتحير الإنسان، فليعلم أن هذه الحيرة أمر مؤقت مرتبط به وبقدرته على الاستيعاب، ولو تدبر وتعقل لزالت الحيرة، لأن هذا وعد الله عندما قال: "ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَة".


لتعبير الثاني (سائبة) بمعنى أن الله لم يجعل أي شيء سائبًا!

لفظ "سائبة" يعني الجريان والاستمرار، ولفظ "سائب" يعني في مفاهيمنا المعاصرة شيء ليس له حدود.


هذا التعبير القرآني يضمن به الله للإنسان أنه ليس هناك مسألة يُريد الاستفسار عنها إلا ولها إجابة، ولن يكون هناك شيء غامض أو غير محدد كما تقول كثير من التفاسير.


كل شيء مفصل وله إجابة، ويمكن الاهتداء إليه، وله حدود واضحة يمكن فهمها. إذا حدث واعتقد الإنسان أن هناك أشياء غامضة (سائبة)، فهذا أيضًا أمر مؤقت يعتمد على قدرات الإنسان، ولكن الأصل هو أن كل شيء يمكن الاهتداء إليه وفهمه بشكل صحيح.


تعبير تلو التعبير ينفي تماماً ادعاءات البعض بغموض القرآن ويحث على طرح الأسئلة، وليس كما يعتقد البعض أنه ينهي عن السؤال. الأمر يشبه الاستاذ الذي يحاضر لطلابه، وقبل اكتمال الفكرة والمعلومات يتقدم أحد الطلاب بسؤال. ستأتي الإجابة على السؤال مع اكتمال المحاضرة.


التعجل في السؤال وربما الإجابة المبكرة قد تشوش على الطلاب وتتسبب في عدم فهمهم لترتيب وتسلسل الأفكار. لذا، ينبه الأستاذ غالباً الطلاب بأن إجابة هذا السؤال ستأتي مع اكتمال المحاضرة، مؤكدا أنه لن يترك أي جزء دون استكماله أو غير واضح. المطلوب من الطلاب هو بذل الجهد لاستخراج الإجابات بعد اكتمال المحاضرات، وليس التذرع بأن الأستاذ طلب منهم عدم السؤال.


هذا المثال يوضح لماذا جاء النهي عن السؤال ساعة تنزيل القرآن، ولماذا قال الله "ما جعل من بحيرة ولا سائبة".


التعبير الثالث وصيلة!

بمعنى أن الله لم يجعل من وصيلة. وصل تعني تعلق شيء بشيء آخر أو التصاق شيء بشيء آخر، ومعنى أن الله لم يجعل وصيلة يعني أن الله لم يجعل هناك شئ ضروري وأساسي لا يقوم المعنى إلا به .


يمكن فهم هذا التعبير من خللا فهم لفظ (وصلة) الذي نستخدمه في حياتنا المعاصرة والذي نحتاجه في أغلب الأحيان لإتمام عمل ما. هذه الوصلة التي تحتاجها سواء في سيارة أو هاتف لن تتم المهمة إلا بها . القرآن تبعا لمدول هذا التعبير لا يحتاج لوصيلة فهو مستقل بذاته يستطيع الإجابة عن ما بداخله ويمكن فهمه من داخله.


لاحظ أن كلمة (وصيلة) تشبه كلمة (وسيلة) باختلاف حرف الصاد الذي أُضاف لكلمة وصيلة ثقلًا وقوةً.


هذا التركيب اللغوي يعطينا لمحةً غايةً في الإعجاز حيث إن الإنسان قد يحتاج لوسيلة لفهم معاني القرآن والوسيلة بحرف السين شيءٌ خفيفٌ يُسهِّل وصول المعنى، ولكن القرآن ذاته لا يحتاج لوصيلة. والوصيلة كأنها شيءٌ أساسي لفهم القرآن والإجابة على الأسئلة التي قد تشغل فكر الإنسان.


قد يصعب على القارئ تقبل مدلول وصيلة هنا، إذًا يتضح لنا أن القرآن لا يمكن تفسيره وفهم معانيه إلا من خلال وسائط متعددة.


"هذه هي نقطة الخلاف الأساسية بين ما دونته في كتبي وبين كل إدعاء آخر، إذ أصررت على أن القرآن، ومعي كثير جدًا من الباحثين، يحمل مفاتيح فهمه داخله ولا يحتاج لوسائط لفك شفرة تعبيراته. قد يحتاج إلى وسائل لتعيننا نحن على الفهم، ولكنه لا يحتاج (للوصائل) بحرف الصاد لتحقيق المعنى والوصول إلى مدلولاته.


هذه النقطة ذات أهمية بالغة وخطورة، لأن غياب المنهج العلمي في فهم كلمات القرآن جعل الناس منذ القدم يستعينون بكل شاردة وواردة لفهم كلمات وتعبيرات القرآن. الأمر الخطير هو أن هناك اعتقادًا راسخًا في المؤسسات الدينية بمختلف توجهاتها وفي رجال الدين بتنوعهم، ألا وهو اعتقاد أن القرآن في حاجة ماسة لوسائط من خارجه لا يستغني عنها لكي يفهم بشكل صحيح."


التعبير القرآني الأخير (حام)، بمعنى ما جَعَلَ اللهُ مِنْ حام.

كَلِمَةُ "حام" أصْلُها "حَمَى"، وكَمَا جاء في مُعَجَّمِ الاشتِقَاقِ للفِيروزَآبادِي، تَعْنِي المَنْعَ، وَحَمَى الشَيْءَ يَعْنِي مَنَعَهُ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ. فهنا يصبح تعبير (مَا جَعَلَ مِنْ حَام)، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُوجَدُ مَانِعٌ أَوْ عَائِقٌ يَعْيَقُ مِنْ استَنْبَاطِ إِجَابَةِ سُؤَالٍ مَعَيَّنٍ بَعْدَ نَزُولِ القُرْآنِ. لا يوجد جدار حماية أو عازل بينك وبين الوصول إلى الإجابة.


هَذَا التَّعْبِيرُ يُلْجِمُ كُلَّ الَّذِينَ أَوْهَمُوا النَّاسَ بِأَنَّ السُّؤَالَ عما فِي الْكِتَابِ قَدْ يُشَكِّكُ النَّاسَ أَوْ قَدْ يُثِيرُ الْبُلْبُلَةَ، أَوْ أَنَّ هُنَاكَ أَشْيَاءٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ مَعْرِفَتَهَا أَوِ الْإِجَابَةَ عَلَيْهَا.


أما أجمل ما ختمت به الآية، حيث تشير بثبات إلى كل الذين يدّعون أن كتاب الله لا يبين ولا يفصل، وترى جموعاً غفيرةً تردد دون مثقال ذرة علم، إن كتاب الله لم يفصل، فكيف نفهم وكيف نعمل؟ أو أن القرآن لا يشكل إلا جزء يسير من الدين ولا يجيب على كثير من الأسئلة.


الرد صادم وصاعق، ولكنه يصفهم بكل دقة.


وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ.


ضع تحت تعبير "أكثرهم لا يعقلون" مائة خط.

يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم .

سبع سنوات كاملة وقصة إلقاء نبي الله إبراهيم في النار تحيرني. هل ظل نبي الله إبراهيم حقا في النار سبعة أيام ؟ هل بالفعل تم خرق القانون الفيزيائي للنار وقدرتها على الإحراق فأصبحت لا تحرق؟ لو كان بالفعل تم خرق القانون الفيزيائي للنار وذكر القرآن القصة فهي لا شك إشارة للإنسان بأنه يستطيع خرق هذا القانون بالأسباب .
عندما تناولت قصة النار مع نبي الله إبراهيم منذ ما يقارب السبع سنوات كنت آملا أن يقودني تحليل اللفظ القرآني لخواص جديدة عن النار أو حتى الضوء والحرارة.
النتيجة كانت لا شئ ومن ثم وضعت القصة جانبا على أمل أن يتم بحثها يوما بشكل أكثر دقة وعمقا. منذ أيام قليلة عادت القصة إلى الواجهة بفعل مناقشتها وسط جمع من الأصدقاء وأجبت وقتها بأني لا أملك أي شئ يمكنني قوله عن هذه القصة. راجعت الآيات التي ذكرت القصة مرة بعد مرة واستوقفني لفظ كيد الذي جاء في الموضعين التي ذكرت فيها القصة.
القصة ورد ذكرها في موضعين في كتاب الله، أولاهما في سورة الأنبياء والثاني في سورة الصافات.
( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71))(سورة الأنبياء : آيات 68-71).
(قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)(سورة الصافات: آيات97-99 ).
عند دراسة الآيات والنظر إلى لفظ كيد الذي جاء مرافقا للموضعين تبين أن مسألة إلقاء نبي الله إبراهيم من أصلها لم تحدث.
نعم لم يحدث أن ألقاه الناس في النار وكل ما حدث هو مجرد غضب شديد ثم تخطيط وتدبير لحرقه ولكن لم يتم التنفيذ.
لفظ كيد في كتاب الله يعني تخطيط وعزم على التنفيذ ولكن لا يعني التنفيذ . لكي نجزم بنفاذ الكيد و التخطيط لابد أن يتبعه بيان ذلك من خلال كتاب الله.
القرآن يؤكد بشكل مباشر أن كيدهم فشل بمعنى تخطيطهم فشل فكيف فشل التخطيط ثم تخبرنا الروايات أن نجحوا في وضعه في النار.
قد يعتقد البعض أن فشل الكيد يعني جعل النار لا تحرقه بينما هو في النار فعلا!
لفهم هذا الأمر نضرب مثلا بسيط.
بفرض أن مجموعة من الناس تأمروا على وضع شخص في السجن ؛ هذا التآمر هو نوع من الكيد . إذا تم اخبارنا أن الكيد فشل أو الخطة فشلت فهذا معناه أن الشخص لم يدخل السجن من الأساس. لو دخل السجن فيلزم أن يكون نجح التخطيط أما نجاته من السجن فهو يعني فشل تخطيطهم أو بالمعنى القرآني خسروا لأن الكيد لم ينجح .
قصة نبي الله يوسف أخبرتنا بمثال جيد يمكننا استخدامه للتفريق بين الكيد وبين التنفيذ .
إدعاء امرأة العزيز واتهام نبي الله يوسف كان كيدا ولكن في حالته، نجح الكيد وتم وضع يوسف في السجن لذا أخبرنا القرآن صراحة بذلك. بينما في حالة نبي الله إبراهيم نجد القرآن يخبرنا عن الكيد بالتفصيل ثم فجأة يأخذنا لتفاصيل النجاة دون أي ذكر أو تفصيلة عن إلقائه في النار أو نجاح هذا الكيد.
سوف اتناول الآيات التي تطرقت للقصة وأقوم بشرح المفردات بشكل بسيط قدر المستطاع. سوف أبدأ بسورة الصافات لأن سورة الأنبياء تحتاج وقفة مع آية (وقلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم).
(قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)(سورة الصافات: آيات97-99 ).
الآية الأولى تخبرنا عن تخطيط القوم حيث قالوا ابنوا له بينايا فألقوه في الجحيم. عبارة ابنوا له بنيانا وعبارة فألقوه في الجحيم هي نقاط الخطة الرئيسية التي يدبرها القوم. العبارتين من كلام القوم لأنها بدأت بلفظ قالوا وهذا هو الكيد. الآية التالية مباشرة تخبرنا عن فشل الكيد أي فشل التخطيط وليس بين الآيتين أي فاصل. معنى ذلك أن القوم خططوا وقرروا ولكن فشلوا في تنفيذ الأمر. الفشل في تنفيذ الأمر قصته الآيات في سورة الأنبياء بشكل أكثر تفصيلا.
في سورة الأنبياء ( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71))(سورة الأنبياء : آيات 68-71).
الآية الأولى جاء فيها حرف ( إن ) الذي يفيد تردد القوم وعدم القطع وكأنه يحفز بعضهم بعضا. الآية التالية مباشرة تخبرنا أن الأمر الإلهي جاء (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم )
هل هذه هي النار المشتعلة فعلا ؟ أم النار التي اشعلوها في نفوس بعضهم البعض بالتحريض والغضب.
لدينا في كتاب الله مثال واضح على النار تعني كذلك نار توقد في النفوس لإشعال الحروب.
( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ))(سورة المائدة : آية 64).
المعنى ليس مجازيا بل حقيقيا بكل ما تحمل الكلمة من معاني.
الغضب والتحريض إنما هو بالفعل زيادة ناتج عن زيادة الحرارة في جسم الإنسان حتى أن الغاضب أو الإنسان المتثار يمكن أن يتخذ قرارات مستعجلة تحت تأثير ما أستطيع تسميته خلل فسيولوجي.
تفاعلات الجسم قائمة بالأساس على إنتاج الطاقة أو قل الحرارة بمفهوم بسيط والغضب سبب رئيسي لزيادة معدل التفاعلات ومن ثم ارتفاع درجة حرارة الجسم( شرح مبسط لفهم الصورة).
عندما يتم اثارة الإنسان بشكل ما فإن التفاعلات في جسم الإنسان تزداد حدة بالفعل ومن ثم يزداد إنتاج الحرارة عن معدلها الطبيعي في جسم الإنسان.
الإنسان الذي يسعى بالخراب أو بالفتن هو في الحقيقة يحفز هذا النوع من الاثارة داخل نفوس الآخرين مما يدفعهم لاتخاذ خطوات ثورية ومستعجلة. قد يعتقد الناس أن هذا التعبير مجازيا لأنهم لا يعتبرون الحقيقة إلا ما تستطيع حواسهم التقاطه بينما الأمر أوسع بكثير جدا من ذلك.
التفاعلات في النجوم تولد حرارة ( نار ) وهذا على مستوى الأجرام الضخمة وتفاعلات الحرق تولد نار أو حرارة على المستوى المرئي وكذلك التفاعلات في الجسم تولد حرارة ونار على المستوى الخلوي. التعبير حقيقي مائة بالمائة ويفتح أمامنا أبواب معرفية جديدة سوف نطرقها قريبا.
لو نظرنا للآيات لأدركنا أن القرآن حدثنا في الآية الأولى عن التدبير ومحاولة إثارة الغضب في نفوس بعضهم البعض ثم فجأة يخبرنا في الآية التالية أنه قال يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم.
بمفهومنا المعاصر الناس مجتمعين يخططون لحرق نبي الله إبراهيم ويتسارع الغضب وتشتعل النار حرفيا في النفوس ثم أصبحت هذه النار بردا وسلاما على إبراهيم أي أنه لم يصاب بأذى. لم يفلح التخطيط أو لم يقم القوم بالتنفيذ فقد هدأت النفوس قليلا أو عادت بالمفهوم العلمي النفوس إلى طبيعتها وهدأ الغضب.
الآيات تخبرنا بالتخطيط ثم انطفأ هذا التخطيط. الآية الثالثة أكدت هذا المفهوم عندما قال الله ( وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ). أردوا به تخطيطيا ففشلوا هذا هو الواقع الذي تخبرنا به الآيات.
سوف أذهب إلى أقصى فرضية وهي أن القوم بالفعل أوقدوا نار وعزموا على إلقاء نبي الله إبراهيم . لابد أن تضع نصب عينيك أن قول الله هو الحق فإذا قال أمر فقوله الحق أي حقيقة مطلقة.
بمجرد قول الله سبحانه يا نار كوني بردا وسلاما لابد أن تنطفئ النار. النار تختلف عن الضوء أو عن النور فالنار بالأساس هي حرارة. وتختلف شدة النار باختلاف شدة هذه الحرارة.
عندما يقول الله يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم فلو أن النار كانت حرارة شديدة ناتجة عن اشتعال الحطب، فسوف تنطفئ في الحال. مثال ذلك لو أن الله قال لنهر من الماء كن ذهبا، فهل معنى ذلك أن الماء أصبح لونه ذهبيا ؟
إذا قال الله لنهر من الماء كن ذهبا فسوف يتحول في الحال إلى ذهب حقيقي.
هذه الفرضية والتي اجدها بعيدة بسبب ترتيب الآيات تخبرنا أن نبي الله إبراهيم لم يدخل النار من الأساس لأنه لو دخلها فسوف يصبح قول الله يا نار كوني بردا قولًا غير حقيقيا.
لا شك أن شخصا لا يعرف خصائص النار ولا يعرف الفرق بين الحرارة والضوء يصعب عليه فهم هذه النتائج وسوف يجد من السهل تخيل قصة اسطورية ونسبتها إلى القرآن ومن ثم يتم تقديم كتاب الله على أنه كتاب يقص أمورا غير معقولة ويطلب من الناس تدبرها.
من المخجل حقا أن يرفض الناس المنطق بسبب اللامنطق ويتقربون لخالقهم باللا معقول.

سورة الكهف واللغز المحير

قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى ما زال يعتريها كثير من الغموض وعليها كثير من علامات الاستفهام. رغم أني تناولت هذه القصة في أحد كتبي واقترب...