Thursday, June 29, 2023

وهم المعرفة

 وهم المعرفة! (متلازمة دونينغ-كروجر)

إحساس الفرد الزائف بتفوقه المعرفي، رغم ضحالة قدراته وتواضع إمكاناته هو أحد وأهم أسباب الجمود الفكري لديه، وهو حائط الصد في مواجهة أي تطور فكري محتمل.
هذه الظاهرة من الظواهر النفسية المعروفة في علم النفس والتى تسمى تأثير دونينغ- كروجر Dunning -Kruger Effect حيث يقوم الشخص بتقييم قدراته المعرفية ب أكبر من حجمها الحقيقي، مما يسبب له إحساس وهمي بالتفوق.
يقول دونينغ وكروجر، أن إحساس التفوق الوهمي ناتج بالأساس من وهم داخلي لدى الشخص متواضع القدرات.
تشير الدراسة إلى أن أصحاب الأداء الضعيف والاحساس الوهمي بالتفوق ليس لديهم القدرة على الاستفادة من الملاحظات التي يتلقونها على أدائهم الضعيف، وبالتالي لا يستطيعون تحسين هذا الأداء.
إذا كان جهل الإنسان بتواضع قدراته هو أحد الأسباب الرئيسية لهذا التحيز المعرفي الوهمي بالتفوق فإن هناك سبب اخر وهو جهل الإنسان بآلية عمل الأشياء أو افتقاره لفهم المنهج الذي تعمل من خلاله الأشياء.
لا شك أن تأثير هذا السلوك خطير خصوصًا إذا تحول إلى ظاهرة. أصحاب هذا السلوك غير قابلين للتعلم بسبب عدم إدراكهم لجوانب النقص في تفكيرهم، وتكمن الكارثة عند تولي أحد هؤلاء مسؤولية ما. هذه الشخصيات لا تؤمن إلا بقدراتها ولا ترتاح إلا لمن يوافقها الرأي، ويصبح انتقادها حتى على أساس علمي مخاطرة بسبب رسوخ فكرة قدراته العبقرية في نفسه.
هناك أسباب عديدة للتوهم المعرفي، منها ما يتعلق بالفرد نفسه وحاجاته الأساسية في إبراز دوره؛ ومنها ما يتعلق بالمجتمع مثل القهر والظلم واحتكار المعرفة ومصادرة الرأي الآخر والنظام التعليمي القائم على التلقين.
أخطر أنواع التوهم المعرفي هو وهم المعرفة الدينية الذي يمنح الإنسان ثقة في تبني وجهات نظر معينة لم يختبرها ويتعصب لها اعتقادا منه بأنه يؤدي خدمة جليلة لدينه ولربه.
ما ساعد على توهم المعرفي الديني لدي الغالبية العظمي من أفراد المجتمع هو الطريقة التي يتلقى بها الناس هذه المعرفة.
من خلال السطور القليلة القادمة سوف نحاول إلقاء الضوء على حالتين من حالات التعاطي مع المعرفة الدينية أدت إلى تعزيز إحساس الشخص بوهم المعرفة الزائف، مما صنع منه إنسان غير مستعد لتقبل الأفكار مهما بدت منطقية.
في البداية لابد إن ننوه أن حاجة العقل البشري وكيفية تعاطيه مع المعرفة تختلف باختلاف الوقت. ما يمكن اعتباره ضروري و شئ أساسي لكي يستطيع العقل البشري فهم وتقبل فكرة ما في مرحلة معينة قد يصبح عبء وعائق لتطور هذا العقل في المراحل المتقدمة.
مثال بسيط لاحتياجات العقل ومتطلباته المعرفية:
نفترض أننا نرغب في تعليم طفل صغير عملية جمع وطرح الأعداد. من المقبول جدا بل من متطلبات العملية التعليمية استخدام الطفل أصابع يديه كعداد لفهم عملية جمع وطرح الأعداد، حتى يتم ترسيخ فكرة الجمع والطرح في عقله. إذا استمر الطفل في استخدام يديه في عملية الجمع والطرح حتى سن مبكرة فذلك يعتبر مؤشر خطير في عدم تطوره العقلي.
هذا ما نعنيه بالضبط من أن متطلبات المجتمعات في مرحلة معينة من مراحل تطور البشرية المعرفي قد لا تصلح في المراحل المتقدمة، بل تصبح مؤشر على على عدم النضوج الفكري لهذه المجتمعات.
الحالتين اللتين أدتا إلى توهم المعرفة الزائف لدى الفرد وترسيخ فكرة معينة في عقله هما حالة الإجماع مقابل الدليل وحالة مظهر لباس رجل الدين.
الحالة الأولى: الإجماع مقابل الدليل:
الهدف الأساسي من فكرة الإجماع هو تحصين الأفراد ضد العبث الفكري لأصحاب الأفكار المنفردة وزيادة جرعة الاطمئنان في نفوس العامة. في الماضي كانت العقول في حاجة ملحة للإجماع على فكرة معينة وخصوصا قبل ظهور المنهج العلمي في البحث وقبل كثافة الدليل والبرهان العقلي.
تبني فكرة الإجماع في عصر الانفجار المعرفي واعتباره دليل ذو قيمة عظمى في المسائل الفكرية، سبب انغلاقًا فكريًا وساعد بشكل كبير في توهم المعرفة.
فكرة الاعتماد على الإجماع كدليل في المسائل الفكرية هي فكرة فاشلة تمامًا، حيث خلقت تحيز معرفي لدى غالبية أفراد المجتمع بوهم التفوق مما دعاهم لعدم اختبار هذه المعرفة؛ خصوصا لدى الافراد أصحاب القدرات المحدودة. تضخيم فكرة الإجماع كدليل والاتكاء عليها في مواجهة أدلة عقلية ومنطقية لم تخلق كسل فكري فحسب بل صنعت هذا الإحساس الزائف بالتفوق وأعطت شرعية لرأي الأكثرية بغض النظر عن معقولية ومنطقية هذا الرأي.
رغم تصوير فكرة الإجماع على أنها منهج شرعي إلا أن المنهج القرآني حذر اتباعه من الإختباء خلف الإجماع في المسائل الفكرية والعقلية عندما ذكر في أكثر من موضع التعبير القرآني العظيم " أكثرهم لا يعقلون".
الحالة الثانية: لباس رجل الدين تجسيد لفكرة العلم.
فكرة التجسيد ظهرت مع اللحظات الأولى للبشرية حيث العقول في حالة بدائية غير قادرة على فهم المعانى المجردة بشكل كامل. فمثلا فكرة الطاعة والمعصية والقبول والرفض تجسدت منذ اللحظات الأولى في مسالة تقديم القربان، حيث كانت تنزل نار من السماء تأكل القربان المقبول في إشارة على الطاعة والقبول بينما تترك القربان المرفوض دليل وإشارة على المعصية.
غزارة الآيات ( المعجزات) المادية التي كانت تؤيد الأنبياء هي نوع آخر من تجسيد القدرة الإلاهية حتى يستطيع العقل إدراك المعاني والمفاهيم وقبول الرسالة التي جاء به النبي أو الرسول.
محاولات العقل البشري على الدوام تجسيد الإله وتشخيصه سواء في صورة أصنام كما فعلت كثير الأمم أو في صورة العجل كما فعلت بني إسرائيل كان بسبب عجز العقل عن إدراك فكرة الألوهية المجردة.
ميراث تجسيد الأفكار له أشكال ومظاهر عديدة. من هذه المظاهر هي محاولة خلق صورة مادية لرجل العلم أو رجل الدين من خلال لباس ومظهر معين. هذا المظهر المميز والصورة النمطية رسخت في نفوس الأفراد ارتباط العلم الصحيح والمنهج السليم بهذه الصورة.
قد يكون تجسيد العلم والمعرفة وارتباطه بزى معين ومظهر محدد ذو فائدة في المراحل الأولى لتطور العقل البشري، حتى يستطيع هذا العقل تقبل الأفكار بسهولة. استمرار الاعتماد على هذا النموذج في تقديم الأفكار ومناقشتها في ظل هذا التطور المعرفي المذهل له آثار مدمرة على على البناء الفكري للأفراد.
هذا النموذج التعليمي في تقديم وشرح الأفكار وإيصال المعلومة، اعتمد التشخيص والقولبة، بدلًا من تعليم القياس والمقارنة والقدرة على فرز وترتيب وتهذيب الأفكار؛ كما أرشد القرآن الكريم في قوله(علم بالقلم)( الجزء الثاني من كتاب تلك الأسباب).
لكى نفهم كيف يمكن لاستخدام مسألة الإجماع كدليل في مواجهة أدلة عقلية ومنطقية وكيف يمكن لمظهر من المظاهر المرتبط بالعلم والمعرفة خلق تحيز معرفي لدى الأفراد؛ كان لابد من فهم تطور العقل البشري ومراحل إنتقاله من النقل إلى العقل ومن التجسيد إلى التجريد.
عندما يواجه صاحب متلازمة دونينيغ-كروجر أفكارا جديدة مدعومة بالدليل والبرهان صادرة من صور ليست نمطية بالنسبة له وتخالف منظومته الفكرية ستجده يناصبها العداء في محاولة منه للدفاع الذاتي عن نفسه وعن شعوره الزائف بالتفوق.
واقع بائس لا يمكن الإفلات منه إلا بترسيخ المفهوم القرآني " قل هاتوا برهانكم " ليصبح الدليل والبرهان هو سيد الموقف . أضف إلى ذلك ترسيخ تقبل الاختلاف و التحدث بلغة الاحتمالات وعدم احتكار المعرفة. إنتاج الأفكار السليمة في مجتمعات ضحلة فكريًا يبالغ أفرادها في تقدير حجم قدراتهم المعرفية، هو في الحقيقة إنتاج عقيم محكوم بالفناء والضياع داخل عقل جمع عشوائي لا يؤمن بالمنهج العلمي ولا يستوعب الأساليب البحثية.
إذا كانت عملية إنتاج أفكار سليمة تحتاج عقليات راقية ومهارات خاصة، فإن القدرة على فهم هذه الأفكار تحتاج لنفس المهارات والرقي العقلي.

No comments:

Post a Comment

سورة الكهف واللغز المحير

قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى ما زال يعتريها كثير من الغموض وعليها كثير من علامات الاستفهام. رغم أني تناولت هذه القصة في أحد كتبي واقترب...