سبع سنوات كاملة وقصة إلقاء نبي الله إبراهيم في النار تحيرني. هل ظل نبي الله إبراهيم حقا في النار سبعة أيام ؟ هل بالفعل تم خرق القانون الفيزيائي للنار وقدرتها على الإحراق فأصبحت لا تحرق؟ لو كان بالفعل تم خرق القانون الفيزيائي للنار وذكر القرآن القصة فهي لا شك إشارة للإنسان بأنه يستطيع خرق هذا القانون بالأسباب .
النتيجة كانت لا شئ ومن ثم وضعت القصة جانبا على أمل أن يتم بحثها يوما بشكل أكثر دقة وعمقا. منذ أيام قليلة عادت القصة إلى الواجهة بفعل مناقشتها وسط جمع من الأصدقاء وأجبت وقتها بأني لا أملك أي شئ يمكنني قوله عن هذه القصة. راجعت الآيات التي ذكرت القصة مرة بعد مرة واستوقفني لفظ كيد الذي جاء في الموضعين التي ذكرت فيها القصة.
القصة ورد ذكرها في موضعين في كتاب الله، أولاهما في سورة الأنبياء والثاني في سورة الصافات.
( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71))(سورة الأنبياء : آيات 68-71).
(قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)(سورة الصافات: آيات97-99 ).
عند دراسة الآيات والنظر إلى لفظ كيد الذي جاء مرافقا للموضعين تبين أن مسألة إلقاء نبي الله إبراهيم من أصلها لم تحدث.
نعم لم يحدث أن ألقاه الناس في النار وكل ما حدث هو مجرد غضب شديد ثم تخطيط وتدبير لحرقه ولكن لم يتم التنفيذ.
لفظ كيد في كتاب الله يعني تخطيط وعزم على التنفيذ ولكن لا يعني التنفيذ . لكي نجزم بنفاذ الكيد و التخطيط لابد أن يتبعه بيان ذلك من خلال كتاب الله.
القرآن يؤكد بشكل مباشر أن كيدهم فشل بمعنى تخطيطهم فشل فكيف فشل التخطيط ثم تخبرنا الروايات أن نجحوا في وضعه في النار.
قد يعتقد البعض أن فشل الكيد يعني جعل النار لا تحرقه بينما هو في النار فعلا!
لفهم هذا الأمر نضرب مثلا بسيط.
بفرض أن مجموعة من الناس تأمروا على وضع شخص في السجن ؛ هذا التآمر هو نوع من الكيد . إذا تم اخبارنا أن الكيد فشل أو الخطة فشلت فهذا معناه أن الشخص لم يدخل السجن من الأساس. لو دخل السجن فيلزم أن يكون نجح التخطيط أما نجاته من السجن فهو يعني فشل تخطيطهم أو بالمعنى القرآني خسروا لأن الكيد لم ينجح .
قصة نبي الله يوسف أخبرتنا بمثال جيد يمكننا استخدامه للتفريق بين الكيد وبين التنفيذ .
إدعاء امرأة العزيز واتهام نبي الله يوسف كان كيدا ولكن في حالته، نجح الكيد وتم وضع يوسف في السجن لذا أخبرنا القرآن صراحة بذلك. بينما في حالة نبي الله إبراهيم نجد القرآن يخبرنا عن الكيد بالتفصيل ثم فجأة يأخذنا لتفاصيل النجاة دون أي ذكر أو تفصيلة عن إلقائه في النار أو نجاح هذا الكيد.
سوف اتناول الآيات التي تطرقت للقصة وأقوم بشرح المفردات بشكل بسيط قدر المستطاع. سوف أبدأ بسورة الصافات لأن سورة الأنبياء تحتاج وقفة مع آية (وقلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم).
(قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)(سورة الصافات: آيات97-99 ).
الآية الأولى تخبرنا عن تخطيط القوم حيث قالوا ابنوا له بينايا فألقوه في الجحيم. عبارة ابنوا له بنيانا وعبارة فألقوه في الجحيم هي نقاط الخطة الرئيسية التي يدبرها القوم. العبارتين من كلام القوم لأنها بدأت بلفظ قالوا وهذا هو الكيد. الآية التالية مباشرة تخبرنا عن فشل الكيد أي فشل التخطيط وليس بين الآيتين أي فاصل. معنى ذلك أن القوم خططوا وقرروا ولكن فشلوا في تنفيذ الأمر. الفشل في تنفيذ الأمر قصته الآيات في سورة الأنبياء بشكل أكثر تفصيلا.
في سورة الأنبياء ( قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71))(سورة الأنبياء : آيات 68-71).
الآية الأولى جاء فيها حرف ( إن ) الذي يفيد تردد القوم وعدم القطع وكأنه يحفز بعضهم بعضا. الآية التالية مباشرة تخبرنا أن الأمر الإلهي جاء (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم )
هل هذه هي النار المشتعلة فعلا ؟ أم النار التي اشعلوها في نفوس بعضهم البعض بالتحريض والغضب.
لدينا في كتاب الله مثال واضح على النار تعني كذلك نار توقد في النفوس لإشعال الحروب.
( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ))(سورة المائدة : آية 64).
المعنى ليس مجازيا بل حقيقيا بكل ما تحمل الكلمة من معاني.
الغضب والتحريض إنما هو بالفعل زيادة ناتج عن زيادة الحرارة في جسم الإنسان حتى أن الغاضب أو الإنسان المتثار يمكن أن يتخذ قرارات مستعجلة تحت تأثير ما أستطيع تسميته خلل فسيولوجي.
تفاعلات الجسم قائمة بالأساس على إنتاج الطاقة أو قل الحرارة بمفهوم بسيط والغضب سبب رئيسي لزيادة معدل التفاعلات ومن ثم ارتفاع درجة حرارة الجسم( شرح مبسط لفهم الصورة).
عندما يتم اثارة الإنسان بشكل ما فإن التفاعلات في جسم الإنسان تزداد حدة بالفعل ومن ثم يزداد إنتاج الحرارة عن معدلها الطبيعي في جسم الإنسان.
الإنسان الذي يسعى بالخراب أو بالفتن هو في الحقيقة يحفز هذا النوع من الاثارة داخل نفوس الآخرين مما يدفعهم لاتخاذ خطوات ثورية ومستعجلة. قد يعتقد الناس أن هذا التعبير مجازيا لأنهم لا يعتبرون الحقيقة إلا ما تستطيع حواسهم التقاطه بينما الأمر أوسع بكثير جدا من ذلك.
التفاعلات في النجوم تولد حرارة ( نار ) وهذا على مستوى الأجرام الضخمة وتفاعلات الحرق تولد نار أو حرارة على المستوى المرئي وكذلك التفاعلات في الجسم تولد حرارة ونار على المستوى الخلوي. التعبير حقيقي مائة بالمائة ويفتح أمامنا أبواب معرفية جديدة سوف نطرقها قريبا.
لو نظرنا للآيات لأدركنا أن القرآن حدثنا في الآية الأولى عن التدبير ومحاولة إثارة الغضب في نفوس بعضهم البعض ثم فجأة يخبرنا في الآية التالية أنه قال يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم.
بمفهومنا المعاصر الناس مجتمعين يخططون لحرق نبي الله إبراهيم ويتسارع الغضب وتشتعل النار حرفيا في النفوس ثم أصبحت هذه النار بردا وسلاما على إبراهيم أي أنه لم يصاب بأذى. لم يفلح التخطيط أو لم يقم القوم بالتنفيذ فقد هدأت النفوس قليلا أو عادت بالمفهوم العلمي النفوس إلى طبيعتها وهدأ الغضب.
الآيات تخبرنا بالتخطيط ثم انطفأ هذا التخطيط. الآية الثالثة أكدت هذا المفهوم عندما قال الله ( وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ). أردوا به تخطيطيا ففشلوا هذا هو الواقع الذي تخبرنا به الآيات.
سوف أذهب إلى أقصى فرضية وهي أن القوم بالفعل أوقدوا نار وعزموا على إلقاء نبي الله إبراهيم . لابد أن تضع نصب عينيك أن قول الله هو الحق فإذا قال أمر فقوله الحق أي حقيقة مطلقة.
بمجرد قول الله سبحانه يا نار كوني بردا وسلاما لابد أن تنطفئ النار. النار تختلف عن الضوء أو عن النور فالنار بالأساس هي حرارة. وتختلف شدة النار باختلاف شدة هذه الحرارة.
عندما يقول الله يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم فلو أن النار كانت حرارة شديدة ناتجة عن اشتعال الحطب، فسوف تنطفئ في الحال. مثال ذلك لو أن الله قال لنهر من الماء كن ذهبا، فهل معنى ذلك أن الماء أصبح لونه ذهبيا ؟
إذا قال الله لنهر من الماء كن ذهبا فسوف يتحول في الحال إلى ذهب حقيقي.
هذه الفرضية والتي اجدها بعيدة بسبب ترتيب الآيات تخبرنا أن نبي الله إبراهيم لم يدخل النار من الأساس لأنه لو دخلها فسوف يصبح قول الله يا نار كوني بردا قولًا غير حقيقيا.
لا شك أن شخصا لا يعرف خصائص النار ولا يعرف الفرق بين الحرارة والضوء يصعب عليه فهم هذه النتائج وسوف يجد من السهل تخيل قصة اسطورية ونسبتها إلى القرآن ومن ثم يتم تقديم كتاب الله على أنه كتاب يقص أمورا غير معقولة ويطلب من الناس تدبرها.
من المخجل حقا أن يرفض الناس المنطق بسبب اللامنطق ويتقربون لخالقهم باللا معقول.
No comments:
Post a Comment