Thursday, June 22, 2023

البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ( كلمات عجيبة تحل إشكالية عصية على الحل!)

أيات سورة المائدة العجيبة، التي نهى الله فيها عن السؤال، كما يبدو للوهلة الأولى، ثم مفردات غاية في العجب، مثل البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وضعت حدا لاتهام القرآن بأنه يمنع ويقيد السؤال.


( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)(سورة المائدة : آيات 101-103).


الآية الأولى والثانية : ( ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102)).


الخطاب الموجه هنا للذين آمنوا ويقول لهم الله: "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم". النهي هنا ليس متعلقًا بالسؤال، بل هو متعلق بقدرة السائل على استيعاب الإجابة. وسوف نكتشف ذلك مع تحليل آية البحيرة والسائبة.


الآية تتحدث عن مرحلة نزول القرآن، والقرآن كتاب يفصل كل شيء. فربما إجابة السؤال وقتها بشكل مباشر سوف تسبب حرجًا للسائل، إذا جاء تفصيل أمر ما لا يتطابق مع المعارف السائدة وقتها بشكل ما، أو أنه فكرة صادمة لدرجة كبيرة. فلا شك إن تفاصيل كهذه قد تسبب كفر بعض الناس.


أننا نرى بأم أعيننا كيف أن آيات القرآن تفصح عن أمور وتوضحها بشكل عجيب، ومع ذلك يكفر الناس بالمنطق والعقل ويكذبون الآيات، ويفضلون البقاء مع أساطيرهم التي تريحهم دون أي إحساس بالذنب أو التقصير.


تخيل أنه في وقت نزول القرآن، سُئِلَ شخص عن لفظ الطور أو النازعات أو الذاريات! ماذا لو بين القرآن أن الطور هو تطور الحياة والكائنات بصفة عامة بعبارات واضحة، ثم أُعطيَ أمثلة. أو أن القرآن أجاب مباشرة عن معاني النازعات، بأنها تصف شيئا لا يمكنهم استيعابه، ماذا سيكون رد الناس حينئذ؟"


النهي عن السؤال كان وقت نزول القرآن، لأن السؤال يلزمه إجابة، والإجابة المفصلة أكثر مما ينبغي، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية. لذا عفا الله عن ذلك، وهذا تخفيف للناس.


نرى هنا إجابة على سؤال لطالما شغل الناس، وهو لماذا لم ينزل القرآن مفصلاً ومباشرًا ولا يحتاج لكل هذا التأويل؟


الإجابة هنا مباشرة وواضحة:


المعارف التي تحملها كلمات وتعبيرات القرآن تفوق قدرة الإنسان، ولو تم تفصيل كل شيء بشكل مباشر منذ البداية في مجتمعات بسيطة، ربما كفر الناس. عدم المباشرة رحمة بالناس، حتى يتسنى لكل جيل الاستفادة بقدر ما يستطيع، حتى نصل إلى النقطة التي يمكننا فيها استيعاب كل الحقائق دون خوف من الكفر.



الآية التالية وهي:

(مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ۙ وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)(سورة المائدة : آية 103).


هذه الآية تستكمل توضيح وشرح علة النهي عن السؤال في صورة من صور البلاغة التي تمتاز بها كلمات الله.


التفسير القديم يقول أن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام هي صفات للحيوانات يتقرب بها المشركون للأصنام، مما يقطع العلاقة بين آية النهي عن السؤال وهذه الآية، بل ويطمس معرفة أعظم وأبلغ المعارف. (لن أقتبس من التفاسير القديمة ويمكن للقارئ الإطلاع على هذه التفاسير ليرى الجرم الذي ارتكب في حق كلمات الله).


بعد أن نهى الله عن السؤال وقت نزول القرآن، مراعاة لحالة السائل وحماية له من الكفر، طمأن الله الإنسان بقوله "ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة" إلى آخر الآية.


ما جعل الله من بحيرة.


قلت في الكتاب الأخير أنني على أعتاب فهم الحروف المقطعة، التي بها سيتغير كل شيء حرفيًا. فهم البحيرة هو أحد نتائج دراسة الحروف المقطعة، والتي سأذكرها بتفصيل إن شاء الله عند اكتمالها في كتاب قادم. دون الدخول في تفصيلات لغوية، جاء تحليل كلمة "بحيرة" تبعًا لمدلول جذر الكلمة، وهو "بحر" ويعني الاتساع الكبير مع الاضطراب، ومع فهم خصائص وصفات لفظ "بحر" ذاته، وجدت أن كلمة "بحيرة" تعني حالة من الاضطراب وهي تمامًا متوافقة مع اللفظ المعاصر الذي نستخدمه وهو "الحيرة".


قول الله: "ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَة"، أي أنه بعد نزول القرآن واستتباب الأمر، لن يترك شيئًا للحيرة. الحيرة هنا حيرة مطلقة بمعنى أنه لن يبقى شيء محيرًا إلى ما لا نهاية. هذا التعبير متوافق تمامًا مع قول الله سبحانه في سورة القمر: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ"، والذي تم شرحه بالتفصيل في كتاب قولا ثقيلا. إذًا عندما يتحير الإنسان، فليعلم أن هذه الحيرة أمر مؤقت مرتبط به وبقدرته على الاستيعاب، ولو تدبر وتعقل لزالت الحيرة، لأن هذا وعد الله عندما قال: "ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَة".


لتعبير الثاني (سائبة) بمعنى أن الله لم يجعل أي شيء سائبًا!

لفظ "سائبة" يعني الجريان والاستمرار، ولفظ "سائب" يعني في مفاهيمنا المعاصرة شيء ليس له حدود.


هذا التعبير القرآني يضمن به الله للإنسان أنه ليس هناك مسألة يُريد الاستفسار عنها إلا ولها إجابة، ولن يكون هناك شيء غامض أو غير محدد كما تقول كثير من التفاسير.


كل شيء مفصل وله إجابة، ويمكن الاهتداء إليه، وله حدود واضحة يمكن فهمها. إذا حدث واعتقد الإنسان أن هناك أشياء غامضة (سائبة)، فهذا أيضًا أمر مؤقت يعتمد على قدرات الإنسان، ولكن الأصل هو أن كل شيء يمكن الاهتداء إليه وفهمه بشكل صحيح.


تعبير تلو التعبير ينفي تماماً ادعاءات البعض بغموض القرآن ويحث على طرح الأسئلة، وليس كما يعتقد البعض أنه ينهي عن السؤال. الأمر يشبه الاستاذ الذي يحاضر لطلابه، وقبل اكتمال الفكرة والمعلومات يتقدم أحد الطلاب بسؤال. ستأتي الإجابة على السؤال مع اكتمال المحاضرة.


التعجل في السؤال وربما الإجابة المبكرة قد تشوش على الطلاب وتتسبب في عدم فهمهم لترتيب وتسلسل الأفكار. لذا، ينبه الأستاذ غالباً الطلاب بأن إجابة هذا السؤال ستأتي مع اكتمال المحاضرة، مؤكدا أنه لن يترك أي جزء دون استكماله أو غير واضح. المطلوب من الطلاب هو بذل الجهد لاستخراج الإجابات بعد اكتمال المحاضرات، وليس التذرع بأن الأستاذ طلب منهم عدم السؤال.


هذا المثال يوضح لماذا جاء النهي عن السؤال ساعة تنزيل القرآن، ولماذا قال الله "ما جعل من بحيرة ولا سائبة".


التعبير الثالث وصيلة!

بمعنى أن الله لم يجعل من وصيلة. وصل تعني تعلق شيء بشيء آخر أو التصاق شيء بشيء آخر، ومعنى أن الله لم يجعل وصيلة يعني أن الله لم يجعل هناك شئ ضروري وأساسي لا يقوم المعنى إلا به .


يمكن فهم هذا التعبير من خللا فهم لفظ (وصلة) الذي نستخدمه في حياتنا المعاصرة والذي نحتاجه في أغلب الأحيان لإتمام عمل ما. هذه الوصلة التي تحتاجها سواء في سيارة أو هاتف لن تتم المهمة إلا بها . القرآن تبعا لمدول هذا التعبير لا يحتاج لوصيلة فهو مستقل بذاته يستطيع الإجابة عن ما بداخله ويمكن فهمه من داخله.


لاحظ أن كلمة (وصيلة) تشبه كلمة (وسيلة) باختلاف حرف الصاد الذي أُضاف لكلمة وصيلة ثقلًا وقوةً.


هذا التركيب اللغوي يعطينا لمحةً غايةً في الإعجاز حيث إن الإنسان قد يحتاج لوسيلة لفهم معاني القرآن والوسيلة بحرف السين شيءٌ خفيفٌ يُسهِّل وصول المعنى، ولكن القرآن ذاته لا يحتاج لوصيلة. والوصيلة كأنها شيءٌ أساسي لفهم القرآن والإجابة على الأسئلة التي قد تشغل فكر الإنسان.


قد يصعب على القارئ تقبل مدلول وصيلة هنا، إذًا يتضح لنا أن القرآن لا يمكن تفسيره وفهم معانيه إلا من خلال وسائط متعددة.


"هذه هي نقطة الخلاف الأساسية بين ما دونته في كتبي وبين كل إدعاء آخر، إذ أصررت على أن القرآن، ومعي كثير جدًا من الباحثين، يحمل مفاتيح فهمه داخله ولا يحتاج لوسائط لفك شفرة تعبيراته. قد يحتاج إلى وسائل لتعيننا نحن على الفهم، ولكنه لا يحتاج (للوصائل) بحرف الصاد لتحقيق المعنى والوصول إلى مدلولاته.


هذه النقطة ذات أهمية بالغة وخطورة، لأن غياب المنهج العلمي في فهم كلمات القرآن جعل الناس منذ القدم يستعينون بكل شاردة وواردة لفهم كلمات وتعبيرات القرآن. الأمر الخطير هو أن هناك اعتقادًا راسخًا في المؤسسات الدينية بمختلف توجهاتها وفي رجال الدين بتنوعهم، ألا وهو اعتقاد أن القرآن في حاجة ماسة لوسائط من خارجه لا يستغني عنها لكي يفهم بشكل صحيح."


التعبير القرآني الأخير (حام)، بمعنى ما جَعَلَ اللهُ مِنْ حام.

كَلِمَةُ "حام" أصْلُها "حَمَى"، وكَمَا جاء في مُعَجَّمِ الاشتِقَاقِ للفِيروزَآبادِي، تَعْنِي المَنْعَ، وَحَمَى الشَيْءَ يَعْنِي مَنَعَهُ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ. فهنا يصبح تعبير (مَا جَعَلَ مِنْ حَام)، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُوجَدُ مَانِعٌ أَوْ عَائِقٌ يَعْيَقُ مِنْ استَنْبَاطِ إِجَابَةِ سُؤَالٍ مَعَيَّنٍ بَعْدَ نَزُولِ القُرْآنِ. لا يوجد جدار حماية أو عازل بينك وبين الوصول إلى الإجابة.


هَذَا التَّعْبِيرُ يُلْجِمُ كُلَّ الَّذِينَ أَوْهَمُوا النَّاسَ بِأَنَّ السُّؤَالَ عما فِي الْكِتَابِ قَدْ يُشَكِّكُ النَّاسَ أَوْ قَدْ يُثِيرُ الْبُلْبُلَةَ، أَوْ أَنَّ هُنَاكَ أَشْيَاءٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ مَعْرِفَتَهَا أَوِ الْإِجَابَةَ عَلَيْهَا.


أما أجمل ما ختمت به الآية، حيث تشير بثبات إلى كل الذين يدّعون أن كتاب الله لا يبين ولا يفصل، وترى جموعاً غفيرةً تردد دون مثقال ذرة علم، إن كتاب الله لم يفصل، فكيف نفهم وكيف نعمل؟ أو أن القرآن لا يشكل إلا جزء يسير من الدين ولا يجيب على كثير من الأسئلة.


الرد صادم وصاعق، ولكنه يصفهم بكل دقة.


وَلَٰكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ.


ضع تحت تعبير "أكثرهم لا يعقلون" مائة خط.

No comments:

Post a Comment

سورة الكهف واللغز المحير

قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى ما زال يعتريها كثير من الغموض وعليها كثير من علامات الاستفهام. رغم أني تناولت هذه القصة في أحد كتبي واقترب...