Thursday, July 6, 2023

لماذا لم يسأل الأولون عما هو غامض في كتاب الله

عندما نضع فرضية أن السابقين لا شك أنهم سألوا عما هو غامض في كتاب الله  فلابد أن يكون هناك ما يؤيد هذه الفرضية.  لا يجب الإنطلاق من هكذا فرضية كمسلمة لأنها سوف تؤدي إلى استنتجات خاطئة بالمرة. 

 لم يكن الأوائل على دراية كاملة بتوجيهات القرآن وإنما اخذوا من القرآن بقدر ما تسمح به معارفهم. حتى نكون محددين أكثر كان القوم على دارية بمدلولات كثير من  الكلمات ( أقصد تمامًا مدلول الكلمات وليس معانيها)  ولكن التأويل بمعناه المتكامل وهو ربط الكلمات بعضها ببعض وقراءة السياق وترتيل المشاهد القرآنية لم يكن متاح وقتها بسبب طبيعة هذه المجتمعات البسيطة. 


 القرآن ليس موجه لزمن محدد وإنما لكل البشر في كل الأوقات وفي كل مكان وكلما ازدادت معارف البشر كلما استطاعوا التفاعل مع كتاب الله بشكل أفضل من سابقيهم، وهذه الفرضية يثبتها التطور المعرفي للبشر، والذي أيضا جاء واضحًا في كتاب الله.  فكرة التطور هي فكرة قرآنية بامتياز ولكنها فكرة ضد الدين التاريخي ولذلك لا يعترف رجال الدين التقليديون بمسألة التطور المعرفي للبشرية بل ويصرون على أن العصور القديمة  تعرف أكثر منهم فيما يخص القرآن.

 

لو تحدثنا عن عصر الرسول صلوات ربي عليه ومن خلال السرد التاريخي سنكتشف أن أسئلة المعاصرين كانت بسيطة للغاية تتمركز حول الحلال والحرام وهذا أمر طبيعي، إذ القدرة على طرح الأسئلة تأتي من غزارة المعرفة وهذا ما حدث تمامًا عندما دخل الدين  إلى البلاد ذات الثقل الحضاري الكبير مثل بلاد الشام وبلاد فارس التي كانت تتمتع بمستوى متقدم من المعرفة. 

 

ملاحظة:  ليس لدينا أي دليل تاريخي على أن الرسول صلوات ربي عليه،   فسر الحروف المقطعة مثلا،  ولا يوجد لدينا  دليل على أن أحد سأله عنها. القول بأن القوم لم يسألوه لانهم لا شك كانوا يعرفونها هو قول مرسل لا يؤيده ما وصلنا من نصوص تاريخية عن تفسير هذه الحروف والتضارب حول مدلولاتها.

 

 سوف ندرك لماذا لم يسأل أحد  عن الأشياء  التي تبدو غامضة، عندما نتعرف في السطور القليلة القادمة على البناء المعرفي لهذه المجتمعات.  


سوف اضرب مثالين بشكل بسيط  لنكتشف من خلالها كيف كانت أسئلة العصر الأول وكيف كان التعاطي مع السؤال.  


جاء في تاريخ الأمم والممالك لابن جرير الطبري،  أن معاوية ألح على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في غزو البحر،  فكتب عمر إلى عمرو بن العاص صف لي البحر وراكبه فإن نفسي تنازعني إليه، فكتب إليه عمرو،  إني رأيت خلقًا كبيرًا يركبه خلق صغير، إن ركن خرق القلوب وإن تحرك أزاغ العقول يزداد فيه اليقين قلة، والشك كثرة، هم فيه كدود على عود إن مال غرق وإن نجا برق،  فلما قرأه عمر كتب إلى معاوية لا والذي بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه مسلمًا أبدا " 

 

كما نري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه،  ليس لديه فكرة متكاملة عن البحر برغم بساطة هذه المعرفة، وذلك بسبب انعزال هذا المجتمع والذي من نتيجته  قلة المعارف (ملاحظة : انعزال المجتمع ميزة كبيرة أدت إلى الحفاظ على اللغة دون تشوه كبير والذي تم شرحه في الجزء الثاني مما يفسر لماذا نزل القرآن بهذه اللغة). لدينا مجتمع منعزل  ملائم تمام لتلقي القرآن بسبب سلامة اللغة إلى حد كبير ولكن في نفس الوقت وبسبب هذه العزلة، قليل المعرفة ليس لديه القدرة الكافية التي تؤهله للتعامل مع  الثورة المعرفية في القرآن. 

 

بالعودة إلى المثال نجد أن وصف عمرو بن العاص للبحر هو وصف أقرب للشاعر منه للوصف الاستراتيجي. طبيعية هذه المجتمعات  يغلب عليها الطبيعية الشاعرية وهذا ثابت بالتاريخ مما يجعلها ترسم صورة  ذهنية لما تجهله دون أن تلجأ إلى السؤال كما في المجتمعات التي تميل إلى الناحية العقلية. 

 

المثال الثاني هو أيضا خاص بالخليفة عمر بن الخطاب وقصته مع صبيغ التميمي القادم من الكوفة ذات المستوى الحضاري المتقدم نوعا ما. جاء الرجل  يسأل عن أشياء في القرآن غير مفهومة بالنسبة له خصوصا مفهوم الذاريات ذروا ، فتم اتهامه بالتنطع وأنه يعرض شبهات ليضل الناس وتم جلد الرجل بسبب أنه سأل أسئلة  بسيطة للغاية.  الرواية عند الدارمي في سننه وكذلك في  كنز العمال. 


جاء في كنز  العمال  " أتى عمر بن الخطاب فقيل : يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلاً يسأل عن تأويل مشكل القرآن ، فقال عمر : اللهم أمكني منه، فبينما عمر ذات يوم جالس يغدي الناس إذ جاء وعليه ثياب وعمامة صفراء ، حتى إذا فرغ قال يا أميرالمؤمنين ( والذاريات ذرواً فالحاملات وقرا ) فقال عمر أنت هو ، فقام اليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته ، فقال : والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك ، ألبسوه ثياباً واحملوه على قتب ، و أخرجوه حتى تقدموا به بلاده ، ثم ليقم خطيب ، ثم يقول : إن صبيغاً ابتغى العلم فأخطأه ، فلم يزل وضيعاً في قومه حتى هلك"

 

 ربما لو أُتيح لصبيغ السؤال والنقاش ما كان لنا أن ننتظر كل هذا الوقت لنكتشف أن الذاريات ذروا ليست الرياح كما قال المفسرون بل هي سورة عظيمة تتحدث عن نظرية متعلقة بدورة حياة الكائنات على الأرض والدوال (تعبير رياضي) التي تحكم نشوء الكائنات واندثارها.  ربما لو كان هناك انفتاح فكري لم يكن ليمر قرن أو قرنين حتى تتكشف هذه النظريات بدلا من هذا الجمود الذي نعانيه. ولكن للإنصاف لابد أن نذكر أن  الانفتاح الفكري ربما كان تسبب في تشتيت الناس وخصوصًا أن معارف القرآن غزيرة بالقدر الذي يصعب استيعابه في مجتمعات بسيطة.  


 لقد سار الأمر بهذا الشكل وخصوصا مع تغول السلطة التي لم تسمح إلا بما يتوافق مع مصالحها  أو ما يتوافق مع معتقداتها، وتم اضطهاد وتكفير وزندقة بل وقتل كثير جدا ممن كان لهم رأي مخالف أو صاحب رأي فلسفي معين. هذا هو  الجعد بن درهم المثال الأوضح  الذي ذبحه  خالد بن عبدالله القسري في عهد هشام بن عبد الملك   يوم عيد الأضحي لأن الجعد زعم كما قال القسري أن الله لم يكلم موسى تكليمًا ولم يتخذ إبراهيم خليلا. الفكرة التي سبقت القول بخلق القرآن، أو الصراع بين الأصولية والتجديد والذي لم يكن ناضجا بالقدر الكافي وقتها )

بصفة شخصية حاولت أن أصل إلى أي معلومة تخبرني لماذا قال الجعد ذلك وما الفكرة خلف ذلك لكن للأسف لم أستطع الوصول إلى معلومة مفيدة. لقد أوردت في كتابي الجزء الثالث أن " كلم الله موسى تكليما " ليست كلامًا مباشرة وإنما هي إشارة إلى تعليم الكتابة بشكل منهجي وخصوصا عند تحليل كلمة التوراة والألواح  والحجاب. الآية  تشير إلى إلى  ظهور الكتابة بشكل منهجي وليس بشكل رمزي ولي فيها جزء آخر في القريب إن شاء الله استكمالا لموضوع الكتابة. 


لو أتيح للجعد إن يدون ما قال ويشارك فكرته وإن كانت ضعيفة الحجة،  لربما صنعت حالة تساؤلات فكرية مستمرة وقادت لفكرة ذات قيمة حتى ولو بعد عشرات أو مئات السنين. 

  

قمع السؤال وقمع الفكر المخالف كان سمة اساسية بسبب ضيق المعارف واعتقاد الناس وقتها بأ المسائل الفكرية هكذا يمكن أن تشتت الناس. أنا لا أقول إن هؤلاؤ القوم سيئين النية بل قد تكون نيتهم سليمة تماما ومخلصين فيما قاموا به  ولكنه ليس الطريقة المثلى للتعامل مع الفكر وليس الطريقة التي أرشد عنها القرآن. كل ما هنالك أن القوم تعاملوا وتفاعلوا مع الدين بحكم معارفهم.


 التاريخ " الإسلامي"   زاخر بالامثلة على قمع الفكر المخالف بوجهة نظر الأغلبية ولعل فكر المعتزلة كان فكرا واعد بشكل كبير لو أن الفرصة أتيحت لهذا الفكر لكان لدينا الآن قوة عقلية لا مثيل لها ولكن تم اضطهاده حتى يومنا هذا بحجة أنه  فكر ضال. لم تفهم السلطة  العربية ولا أقول الإسلامية أن الفكر يصححه الفكر وأنا الله لم يطلب منا حماية الدين ولكن طلب منا حماية العقل لكي يصل إلى الدين. 

 

حرق مؤلفات ابن رشد واحد من الأمثلة على  فكر الغوغاء الذي سيطر وللأسف ما زال يسيطر على كثير من عقول الناس. 


هل تعلم إن أغلب العلماء الذين تفخر بهم الأمة الإسلامية قد اتهموا من قبل مجتمعاتهم إما الكفر أو الإلحاد رغم أن أفكارهم متقدمة للغاية ولو أتيح لها الفرصة لكانت هذه الامة في الصدارة الآن تهدي العالم جميعه إلى كلام الله. 


من هؤلاء المفكرين : بن المقفع (724ـ759 م)، جابر بن حيان (721-815 م)، أبو بكر الرازي (864-923م) ، الفارابي (874-950 م)، ابن سينا (980-1037 م). 


للأسف العقل العربي عقل جمعي بإمتياز يسير خلف الأغلبية في المسائل العلمية رغم تحذير القرآن الشديد من أن الأكثرية لا تعقل ولا تعلم. أضف إلى ذلك إلى أنه عقل اقصائي يضطهد المخالف  مما حرمه من التعلم وسوف تظل طبيعة هذا العقل مانعة له من المعرفة إلا إذا استطاع كسر هذا الحاجز  والتحرر التام. الوقت الذي سوف  يستطيع فيه العقل كسر القيود التي وضعوها عليه سوف تنهال عليه الأسئلة وتشتعل فيه الرغبة للمعرفة.   

اتمنى اكون قد اجبت على السؤال الأول،  على أن نلتقي  السؤال الثاني قريبا، 

لماذا لم يفسر الرسول لأصحابه القرآن  بالطريقة التي نفسر بها القرآن؟ 


No comments:

Post a Comment

سورة الكهف واللغز المحير

قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى ما زال يعتريها كثير من الغموض وعليها كثير من علامات الاستفهام. رغم أني تناولت هذه القصة في أحد كتبي واقترب...