Thursday, July 6, 2023

لماذا لم يشرح الرسول الكريم القرآن لأصحابه بالطريقة التي نفهم بها حاليا القرآن ؟

  قد تكون  إجابة هذا السؤال صادمة إلى حد كبير لذا الرجاء القراءة بمزيد من التأني والتريث في فهم المقصود. 

للإجابة على هذا السؤال سوف أطرح سؤالين لإبراز القضية . 

  1. لماذا لم يُنزل الله كتاب واحد على آدم   أو إبراهيم  صلوات ربي عليهما ولماذا تعددت الكتب؟

  2. لماذا لم يتعهد الله بحفظ الكتب الأخرى ( أقصد النص الأصلي) كما حدث مع القرآن؟ 

كلمة السر هي  التطور، والتطور وحده من سوف يفك شفرة هذه الأسئلة الصعبة والذي جاء مفصلا في  (كتاب تلك الأسباب_ الجزء الثالث_ الطور).  

الله سبحانه وتعالى لم يرد للبشرية القفز مرة واحدة على النتيجة النهائية لأنه سوف يكون وجود البشرية بلا معنى ووجود عبثي. ما معنى خلق الخلق ثم اعطائهم طريقة عمل الحياة والتصرفات ؟ وجود الإنسان هو وجود لهدف محدد وليس مجرد لهو أو عبث كما ذكر ذلك ربنا في كتابه، ولكي يكون وجود الإنسان وجود ذو معنى ونهايته تؤول إلى معنى ( وظيفة ومهمة الإنسان في الحياة الأخرى كما بينا ذلك في مقال سابق) فلابد أن يعاني اختبار حقيقي يقيس قدراته وطريقة تعاطية مع كل ما يحيط به دون تدخل يفقد هذا الاختبار الدنيوي معناه. 

التدرج في إرسال الرسل والأنبياء والتطور في انتقال المجتمعات من البسيط إلى المعقد هي الحالة الواقعية والسائدة  والتي لا يمكن إنكارها سواء  تاريخيًا أو قرآنيًا أو علميًا.

 

لذلك فرضية أن رسول الله كان  لديه تأويل القرآن واعتبار هذا التأويل جازم ونهائي؛  يتعارض مع حركة الحياة وسير البشرية منذ نشأتها، ويتعارض مع القرآن نفسه كما سوف نرى بعد قليل. 

 

لفظ القرآن نفسه  يثبت أنه نص يحتاج للتحليل والدراسة المستمرة ولا يمكن أن يكون له تأويل بشري قاطع وجازم.  فهم أصل كلمة قرآن ذاتها تحمل اعظم سمة من سمات هذا الكتاب العظيم. أصل كلمة قرآن هو قرأ ؛  زيادة الألف والنون تفيد الاستمرار ( تلك الأسباب _الجزء الثاني). 

( فرضية أن أصل القرآن هو الجذر  "قرن" فرضية ليست صحيحة والأصح هو الجذر قرأ وقد بينا ذلك بالتفصيل في الجزء الثاني)

 لذلك نجد أن القرآن يعني الشيء القابل للقراءة باستمرار، القراءة ليس معناها التلاوة وإنما تعني التدبر والتحليل والاستنتاج ( لاحظ تعبير يقرأ الأحداث ، أو يقرأ في وجه السعادة).  لو أن الرسول صلوات ربي عليه تأول القرآن  وانتهي منه كوحي من الله لا يمكن تجاوزه،  لما صح أن يسمى قرآن من الأساس لأنه أصبح غير قابل للقراءة بعد قراءة رسول الله. 

 

الأمر الإلهي لرسول الله بخصوص  الكتاب الذي أنزله الله هو التبليغ  ( بلغ )بينما الأمر الإلهي لرسول الله وللناس جميعا بخصوص فهم القرآن وتفسير آياته هو أقرأ وهي أول آية نزلت.  الأمر الإلهي اقرأ ينفي بشكل قاطع أن  يكون محاولة تفسير القرآن من قبل أي بشر هو وحي لا يمكن تجاوزه  وإنما يشير فعل اقرأ إلى أن  تفسير آيات القرآن هو عبارة عن  تفاعل الإنسان مع النص الإلهي. (هناك وحي لا يمكن تجاوزه وهو الخاص بالرسالة وهناك وحي معرفي أو ما نسميه تجاوزا  نحن بالإلهام  وهو وحي قد يحصل عليه  كل باحث عن المعرفة بشرط السعي والإخلاص، وهو وحي غير  ملزم، الفرق بين الوحيين  أشارت إليه سورة النجم  بشكل لا مثيل له وسوف  نأتي عليها في الجزء الرابع إن شاء الله). 

 

لو كان رسول الله تأول القرآن لأصبح أمر القراءة الخاص بالقرآن  للبشرية غير ذي معنى،  وأمر التدبر أمر تحصيل حاصل؛ ولو أن الله أراد أن يأول رسوله القرآن، لماذا لم ينزله مؤولا ولماذا تركه هكذا ؟ 

 

تاريخيًا:   السيدة عائشة أخبرت أن الرسول لم يفسر من القرآن إلا بضع آيات وكثير من الباحثين يرون أن عدد الآيات التي تكلم فيها النبي لا يتعدى 200 آية من مجموع 6000 آية هي آيات القرآن. 

 

الله سبحانه وتعالى يخبرنا في القرآن بحقيقة ذات أهمية قصوى وهي أن تأويل القرآن على حقيقته لا يعلمها إلا الله ولم يستثني منها حتى رسول الله.

 

"هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ"(سورة آل عمران :آية 7). 

 

 حرف الواو الذي سبق لفظ  الراسخون في العلم ليس معناه أن الراسخون في العلم يشاركون الله تأويله وإنما الواو هي للاستئناف كما حكى بعض من أهل التفسير  ذلك. أي أن الكلام تم عند لفظ الجلالة؛ وجملة الراسخون في العلم ليست عطفا على ما قبلها (واو الاستئناف). رغم أن المفسرين يقولون في قول الله تعالى "آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا "تعني المحكم من الآيات والمتشابه كلاهما يؤمن به الراسخون في العلم.  

لنا رأي في هذه الآية الكريمة، حيث تشير الآية إلى خاصية القرآن الأساسية وهي تجدده المستمر وقدرة العقول  العلمية الراسخة على استكشاف معانيه. لذلك عندما يستطيع الراسخون في العلم تأويل بعضه ( بحسب قدراتهم)، يقودهم هذا التأويل إلى الإيمان بما لم يستطيعوا تأويله وهي صفة خاصة بالراسخون في العلم.  بينما الأميون ينطلقون مما لم يستطيعوا فهمه إلى تكذيب ما يمكن فهمه، وهذا وضع مقلوب يقود إلى تكذيب النص الإلهي ( راجع مفهوم الأمي والأميين بالجزء الثالث وكيف أن غياب المنهج العلمي جعل كل إنسان يعتقد أن لديه القدرة على فهم كتاب الله كما يحلو له). 

 

الآية الكريمة لم تشر من قريب أو من بعيد إلى أي وظيفة للرسول في تأويل القرآن وقصرت التأويل على الله وحده، أما الراسخون في العلم،   في محاولات مستمرة  للتدبر وفهم آيات القرآن، ولن تكون مستمرة إن زعم أحدهم أنه امتلك الحقيقة. قد نقترب كثيرا من التأويل ولكن يبقى التأويل الحقيقي يعلمه الله. هذه هي طبيعة القرآن معرفة تراكمية تناسقية  باستمرار كل مجتهد يضيف قدر استطاعته  بشرط وجود منهج علمي للتأويل وهو ما نحاول قوله في سلسلة الكتاب.  عدم وجود منهج علمي سوف يعطي الفرصة لكل حالم إن يقول ما يعن له دون دليل أو أي برهان سوى قدرته على التخيل.  

 

مرة أخرى هل الرسول كان يعلم تأويل القرآن ؟ 

بنص القرآن ذاته لم يكن يعلم تأويل القرآن ( راجع الآية السابقة ) 

من يقولون أن رسول الله كان يعلم تأويل القرآن على الحقيقة، هم يسيئون إلى رسول الله من حيث لا يشعرون  من وجهين:  

الوجه الأول:  جعلوا رسول الله شريك لرب العالمين، وبنص القرآن،  لا يعلم تأويله إلا الله.

الوجه الثاني : لو أن رسول الله يعلم التأويل ولم يبلغه لكان كاتم للعلم الذي نهى الله عنه وننزه رسول الله عن ذلك ( الروايات تقول أنه لم يتكلم إلا في بضع آيات). 

حقيقة أن رسول الله بلغ الرسالة فقط ولم يكن يعلم تأويل القرآن كتأويل حقيقي بحيث لا يمكننا تجاوز هذا التفسير. هذه المعلومة واضحة وضوح الشمس من خلال آيات الذكر الحكيم ومن خلال السرد التاريخي ولكن العاطفة التي تأبي ذلك هي المتحكمة في عقول الناس وتحاول بشتى الطرق تنصيب الرسول شريكا لرب العالمين. 

أعلم أن هذا الكلام في منتهي الصعوبة على البعض ولكن الأشد هو عدم قوله وتمييع  مفاهيم القرآن وطمسها وإضلال البشرية  و إضاعتها  فقط بسبب العواطف التي تحكمنا في التعامل مع كل ما هو ديني. 

 

القرآن لم يدع الفرصة لكل كسول أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم وأقام الحجة على كل أحد ولكن أكثر الناس عن آيات الله غافلون. وأخيرًا لابد أن نعي تمامًا أن الرسول ليس حاكما على البشرية وإنما هو من ضمن حلقات تطور وتدرج هذه البشرية، وواقعا في نطاقها ويجري عليه ما يجري عليها إلا في الرسالة التي حددها الله بنصوص قطعية لا تقبل الشك وهي القرآن الكريم. 

كل كلمة وردت بالمقالة عليها أكثر من دليل من كتاب الله ولكن تجنبا للإطالة اكتفي بهذا القدر ولنا عودة مع السؤال الرابع لماذا لم يتوصل أحد من قبل إلى أن للإنسان مهمة ووظيفة في الحياة الآخرة؟ 


  واترككم مع هذه الآيات الكريمة التي تشرح نفسها


1- "أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ"(سورة العنكبوت : آية 51)

2-"قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ"(سورة الأحقاف  : آية  9 )

3- "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ"(سورة آل عمران : آية 144).

4- "إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍۢ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ"(سورة الأنعام  :آية  35) 

5- "قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ"(سورة الأعراف : آية 188) 

6-"قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ"(سورة الأنعام : آية 58)


No comments:

Post a Comment

سورة الكهف واللغز المحير

قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى ما زال يعتريها كثير من الغموض وعليها كثير من علامات الاستفهام. رغم أني تناولت هذه القصة في أحد كتبي واقترب...