Thursday, July 6, 2023

هل الله يستحي؟

ما إن تكتب على جوجل " إن الله يستحي" حتى يظهر لك قائمة بمقولات وروايات ما أنزل الله بها من سلطان. دعاة اتباعهم بالملايين  ووعاظ يحملون شهادات بالإجازة يقولون على الله ما لم يقوله عن نفسه دون أن يرف لهم جفن. 

سنكتشف بعد قليل ، أن عبارة  "الله يستحي" لا تصح ولا تجوز على الله من خلال فهم  الفرق بين لفظ الاستحياء الذي ورد في القرآن ولفظ الحياء الذي يستخدمه الناس ولم يرد في القرآن. كلا اللفظين معناهما عند الناس الخجل ولكن عند استخدام منهج محدد في فهم اللفظ القرآني وجدنا  للقرآن رأي أخر.

ملاحظة: ( تحليل اللفظ القرآني جاء بنتائج مخالفة تماما لمعاجم  اللغة نفسها). 

 لفظ الحياء هو نفس جذر  كلمة الحياة  بنص قواميس اللغة وهي ثلاثة حروف ( الحاء  والياء والحرف المعتل). من خلال تتبع جذر الكلمة ومشتقاتها في كتاب الله سنجد أن الجذر (حي) يصف حالة من الطاقة أو القوة المحركة  أو المدد اللازم لعمل شيء ما. 

الحياة نفسها تعني  تلك القوة غير المرئية التي تحرك  الأشياء، أو تبعث فيها القدرة على عمل الأشياء. عندما نقول أن الله يحيي فهذا معناه، أن الله  يمد بالطاقة أو القوة التي تجعل الشئ حي أي متحرك وقادر على الفعل. 

لفظ الحياء بمعنى الخجل  لم يرد  في كتاب الله  ولا مرة واحدة لأنه ببساطة لفظ غير صحيح أو غير حقيقي، فهو لفظ لا يعبر عن الخجل وإنما يعبر عن حالة من الحركة و الاندفاع بحسب ورود مشتقات هذا الجذر في كتاب الله. 

عندما نقول أن لفظ الحياء لا يصف الخجل من خلال تحليل الألفاظ في كتاب الله فإننا نقول أن ألفاظ كتاب الله حقيقية، وأنها تتبع منهج منضبط ودقيق بينما من يصر على إن لفظ الحياء يصف الخجل يقول أن اللغة اعتباطية وقد لايدرك ذلك غالبًا بسبب  عدم فهمه نظريات نشأة اللغة ( راجع نظريات نشأة اللغة الجزء الثاني). 

حالة الخجل نفسها، هي حالة تقهقر وتردد وانتكاص،  عبر عنها ربنا  في القرآن باستخدام لفظ "الاستحياء "  وليس الحياء.  الفرق بين اللفظين مختلف تمامًا، وإن كان لفظ استحياء أصله حياء بزيادة ألف وسين وتاء في بداية الكلمة.  إضافة "ألف وسين وتاء " إلى الفعل الأصلي  قلبت المعنى للنقيض، حيث دخول الألف والسين والتاء على الفعل  إفادة الطلب. 

 مثال لفظ غفر وهو يعني ستر ما هو ظاهر، فإذا دخلت الألف والسين والتاء على فعل غفر يصبح استغفر وهو يغني طلب المغفرة أو طلب ستر ما يظهر. لا يمكن لعاقل أن يقول أن لفظ غفر يساوي لفظ استغفر، فلفظ غفر يصف فعل من هو قوي وقادر على الستر ( الغفران) بينما لفظ استغفر يصف فعل من هو ضعيف و لا يقدر  على الستر بنفسه، ولذلك هو يطلب ويرجو ستر ما فعل!. 

تعالوا نطبق هذه القاعدة على لفظ حياء واللفظ المشتق منه استحياء ! 

لفظ استحياء من خلال فهم جذر الكلمة ومن خلال فهم عمل زيادة ( الألف والسين والتاء ) يعني طلب القوة أو المدد أو العون، الذي يُمكن الشخص من فعل شئ لا يملك القوة الكافية على فعله.  أما  لفظ الحياء بدون الألف والسين والتاء فهو  مقارب للفظ الحياة وعلى ذلك يصف  حالة من القوة والمدد والعون التي تؤهل لعمل شئ ما.   

من هنا يصبح مفهوم  شخص لديه حياء، يعني شخص لديه  قوة واندفاع لفعل ما يرغب  وليس معناه الخجل!  ( هذا ما كنا دوما نشدد عليه من أن القرآن جاء ليصحح اللغة ويردها إلى أصلها، والتي لا يرغب الفقهاء أو أهل اللغة فهمه).   

لفظ استحياء هو لفظ حقيقي جاء في القرآن يصف حالة الخجل التي تنتاب الإنسان والتي يكون فيها الإنسان في حاجة لقوة ما أو مدد أو عون تُمكنه من فعل الشئ الذي  يخجل منه. 

هذه الحالة واضحة تمامًا في كل الآيات التي جاء فيها لفظ استحياء في كتاب الله، والمثال الأشهر هو مثال المرآة التي جاءت إلى نبي الله موسى، تبلغه رسالة أبيها بعد أن سقى لهما؛ حيث يخبرنا القرآن أنها جاءت تمشي على استحياء. 

"فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "(سورة القصص: آية 25). 

 حالة المرآة مع نبي الله موسى هي حالة المتردد، غير القادر على فعل ما جاء من أجله ، و يطلب معين أو قوة تُمكنه من أداء ما يريد أن يقوم به وهي حالة الخجل المعروفة. 

عندما استخدم ربنا هذا الفعل في وصف أحد أفعاله  جل وعلا  قال إن الله لا يستحي وهذا معناه أن الله لا يطلب قوة ولا طاقة ولا معين ولا تحفيز في فعل شيء ما. وهذا يليق بجلال الله وقدره إذ يفعل ما يشاء ولا يحتاج إلى دعم أو قوة خارجية. 

" إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ"(سورة البقرة : آية 26). 

 رغم أن القرآن كثيف في لفت انتباه الناس لهذه الفروق الدقيقة  بين الكلمات ويحث الناس على اتخاذه مرجعا مؤسسًا لكل علم،   إلا أن الجموع على مر التاريخ لا  تعترف بذلك أو أنها لا تدرك ذلك من الأساس.  لن يفهم ويعترف بهذا النسق العجيب  إلا أجيال تربت على حرية التفكير وعدم التحيز، وإنه يوم لو تعلمون قريب. 

 مثال الحياء والاستحياء مثال من مئات الأمثلة التي تم بحثها والتي تثبت أن الألفاظ القرآنية ألفاظ حقيقية وأن فهم الناس لها فهم قاصر بشكل كبير لأنه يقوم على نظرية خاطئة استمدت قوتها من إجماع الناس عليها رغم مخالفتها دلالات  واضحة في كتاب الله.

سيقول البعض ولكن لفظ الحياء لفظ عربي وكل المعاجم ذكرت هذا الوصف فكيف  تقول أن الوصف غير صحيح ؟ هل أنت أكثر علمًا من فطاحل اللغة وجهابذة العصور على مر التاريخ؟

للأسف الشديد وللمرة المائة جهابذة اللغة وعلماء كل العصور اعتمدوا في فهم اللفظ القرآني على إن اللغة من إنتاج البشر فكان لابد أن تكون النتائج كما هي عليه الآن.  لكن كتاب الله يشير بالأدلة إلى أن اللغة هبة إلهية وأن لها قانونها الخاص واعني بذلك ألفاظ القرآن خاصة أما أي ألفاظ خارج القرآن فهي خليط من الحقيقي وغير الحقيقي. 

لا شك أن كل إنسان ساهم في طمس الحقيقة سواء بعلم أو بدون علم وكل إنسان غفل عن ذلك تهاونًا أو استخفافًا، وآثر الحياة الدنيا وأخلد إلى الأرض، موقوف ومسئول عن ذلك  أمام رب العالمين.

نسوق الدليل خلف الدليل والحجة تتبعها الحجة ومع ذلك رضي كثير ممن أفاء الله عليهم بنعمة العقل الانسلاخ من هذه الأدلة والركون إلى معرفة تراكمية خاطئة. سوف يأتي أمر الله رغم أنف هذا الغثاء  وسوف يقيض الله لكلماته من يعرف قيمتها ويبقي المتعلقين بحبائل الماضي، الواثقين في عقول أسلافهم أكثر من وثوقهم في عقولهم أنفسهم و المرتابون،   يموج بعضهم في بعض إلى وقت اليوم المعلوم. 

No comments:

Post a Comment

سورة الكهف واللغز المحير

قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى ما زال يعتريها كثير من الغموض وعليها كثير من علامات الاستفهام. رغم أني تناولت هذه القصة في أحد كتبي واقترب...