Thursday, July 6, 2023

هل يجب على كل إنسان أن يكون مفكر وباحث لكي يصل إلى الحقيقة؟

 

ليس منطقيًا على الإطلاق أن يصير الإنسان مفكر وباحث بشكل عميق، ولكن بالمقابل ليس مقبولًا أن يستسلم الإنسان للكسل المعرفي في أمر الدين بحجة وجود متخصصين.

حجة المتخصصين في الدين حجة كهنوتية بامتياز، أفرزت طبقة من البشر تتحدث في أمور وتتصدى لمسائل شديدة الخطورة بمعدل ذكاء منخفض للغاية. رغم دعوة القرآن الصريحة للناس بصفة عامة للتدبر والتفكر إلا أن مجموعة كبيرة من رجال الكهنوت لا يعجبهم ذلك ويرغبون في إبقاء الناس رهن معارفهم الأقرب إلى الأساطير والأبعد عن العقل. هذا ليس معناه أن تحدث فوضى معرفية وتصبح النصوص مباحة لكل صاحب خيال خصب دون أي معرفة بطرق ومناهج البحث.

التعليم الديني بشكل نظامي والذي أسسه نظام الملك عام 459 هجرية أصبح كارثة على هذا الدين عندما أصبح بابًا خلفيًا للحصول على المناصب في الدولة ، إذ أعطى الفرصة لاستخدام الدين بشكل أناني من قبل مجموعة من الأفاقين والانتهازيين. ازداد الطين بلة في العصر الحديث، عندما أصبح التعليم الديني، بابًا خلفيًا لكل ضعيف الإمكانيات، إلا من رحم ربي، في الحصول على شهادة جامعية.
هذا النظام أفرز كم هائل من الغثاء المعرفي ومنح حق الحديث بشكل حصري في الدين لشخصيات لا تصلح للحديث حتى عن طبق اليوم.

لكي يمارس الإنسان الطب والهندسة لابد ان يكون متخصص، فما بالكم بالدين؟
مغالطة منطقية فجة، فنحن نمارس الدين بالفعل، وبالرغم من ذلك، فالدين ليس كعلم الهندسة أو الطب أو أي علم تجريبي.

العلوم الطبيعية جميعها تقوم على تجارب وأدلة يمكن قياسها واستنتاجات منطقية ولا يوجد فيها اختلافات سوى في تفاصيل لا يمكن ملاحظتها. هل ذهب أحد إلى مهندس يومًا يصمم له منزلا فأعطاه رسمًا هندسيًا لمزرعة حيوانات؛ أو ذهب احدهم إلى طبيب يشتكي ألم في المعدة فاخبره أن من يحتاج العلاج جاره أو زميله في العمل. لن تجد محاسب في شركة يحاول إقناعك أن حاصل ضرب 5 في 10 يساوي 20 إلا إذا كان يريد سرقتك.

خطأ المهندس أو الطبيب يمكن اكتشافه، بل و يمكن تفاديه بقليل من المعرفة والمراجعة، ولو حدثت خسارة فلا شك أنها سوف تكون محددة. باختصار العلوم الطبيعية علوم ليس لها علاقة بالسلطة.

على العكس من ذلك تمامًا، فالدين حتى يومنا هذا لا يقوم على نتائج يمكن قياسها، وأغلبه خاضع لظروف السلطة وكلما تغيرت الظروف غير رجال الدين أرديتهم. فوق كل ذلك فإن خطأ رجل الدين يمكن أن يكلف الإنسان مصيره، خصوصًا إذا استسلم الإنسان ولم يرغب في المعرفة.

ما الذي يجعلنا أمنح ثقتي لشخص لا يملك الحد الأدنى من المنطق والعقل بحجة أنه متخصص. ما هذه القوة الخفية التي تجعلني اعلق مصيري بشخص كل مواهبه نسخ ونقل ما في الكتب ولا يستطيع نقد كلمة.
راجع الكامل - ابن الأثير ، وتاريخ الامم والممالك للطبري، لتعرف أننا نعيش في وهم لا مثيل له وأننا رسمنا صور مثالية لعصور هي ليست كذلك بالمرة بل وسلمنا مصيرنا للمجهول، ونساهم بشكل لا مثيل له في نشر الجهل والخرافة والقداسة على أشياء ليس لها أي قيمة.

من نعمة الله على الإنسان، أن الله يحاسب على السعي الصادق للوصول للحقيقة بغض النظر عن النتائج؛ وأن كتاب الله وكلماته دائما ما توافق المفاهيم العقلية ومنطق الإنسان الصادق.

ليس منطقيا أن يترك الإنسان علمه وشأنه لكي يبحث كل صغيرة وكبيرة في أمر دينه ، لكن بالمقابل الإنسان ملزم بالحد الأدنى من المعرفة والتي تؤهله لكي يفرق بين الصواب وبين الخطأ وبين الدليل وبين الحيل.

الإقبال على المعرفة بصدق، هي الحد الأدنى الذي يجب توافره لدى الإنسان لكي يقدم لله العذر، أما الإعراض عن المعرفة فهي أهم حيل الشيطان لكي يحول بين المرء وبين ربه. كل إنسان لديه جرس إنذار ونظام معرفي قادر على أن يقوده إلى الحق ولكن بعض المساكين يعطلون هذا النظام ويسلمون عقولهم للأخرين؛ إما تكاسلًا أو بسبب انعدام ثقتهم في قدراتهم.

إننا نرى الأمثلة كل يوم تكاد تعلن عن نفسها، حرص الإنسان على السؤال وعلى المعرفة بل والإلحاح في الفهم ما هو إلا ترجمة لتلك الرغبة في النفوس الذكية للوصول للحقيقة. على العكس من ذلك تجد كثير من الناس تطرق المعرفة بابه، وفي متناول يديه، فيشتكي من الإزعاج .

السعي المخلص للمعرفة هو ما دفع سلمان الفارسي وصهيب الرومي وعبدالله بن سلام لكي يقبلوا الرسالة؛ بينما الاستخفاف والكبر والغرور هو ما دفع عبد العزة ( أبو لهب ) للكفر.

سلامة القصد هو ما دفع ياسر بن عامر والد عمار بن ياسر لبذل نفسه في سبيل الله وهو الضعيف، أما الحسابات الأخرى هي من دفعت العباس إلى خوض معركة بدر ضد المسلمين ، والانتظار حتى يوم الفتح لكي يدخل الإسلام وهو عم النبي.

صدق اللهجة هو ما دفع أبو ذر الغفاري لكي يمشي وحده إلى رسول الله، يسعى خلف الحقيقة، حتى أنه كان رابع أو خامس من دخل في الإسلام، ولم يكن من ساكني مكة بالأساس؛ بينما المكر هو ما دفع أبو سفيان حتى بعد أن أعلن إسلامه أن يصيح بأعلى صوته عندما انكشف المسلمون في غزوة حنين ‏ "لا تنتهي هزيمتهم دون البحر" شامتا في ما حدث للمسلمين.

بالطبع ليس مطلوبا إن نفكر جميعا بنفس الكيفية ولكن يلزمنا لقبول الحق صدق اللقاء وسلامة القصد. كل الذين نكبوا عن الصراط، وتفرقت بهم السبل وتنازعتهم الأهواء ظنوا أنهم الأهدى أو كان لهم حساباتهم الخاصة.
إذا كان الحصول على فكرة جديدة يحتاج إلى ذكاء ومنطق سليم، فإن مجرد قبول هذه الفكرة من قبل أي إنسان يحتاج لنفس القدر من الذكاء والمنطق السليم.


No comments:

Post a Comment

سورة الكهف واللغز المحير

قصة العبد الصالح مع نبي الله موسى ما زال يعتريها كثير من الغموض وعليها كثير من علامات الاستفهام. رغم أني تناولت هذه القصة في أحد كتبي واقترب...